اتَّفقوا على أنه يجب على الله فعل الصلاح والخير لكلِّ عبدٍ معيَّنٍ في دينه، وسمَّوه عدلًا. قالوا: وتركه سفهٌ يجب تنزيه الله عنه.
ويجعلون هذا الواجب من جنس ما يجب على الإنسان (^٢).
قال الشهرستانيُّ: «واتَّفقوا على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد. وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلافٌ. وسمَّوا هذا النمط: عدلًا» (^٣).
وقالوا: إن الله استصلح عباده، ولا يقدر بعد ذلك على أن يفعل لمخلوقٍ من المصلحة غير ما فعل.
قال أبو بكرٍ الباقلانيُّ: «وزعم البغداديُّون منهم والنظَّام من البصريِّين أيضًا: أن القديم سبحانه قد استصلح عباده بغاية ما يقدر عليه من الصلاح، وأنه ليس في خزائنه ولا في سلطانه، ولا يتوهَّم منه صلاحٌ يقدر عليه أكثر مما قد استصلحهم به في دينهم ودنياهم.
وزعم البصريُّون منهم خاصَّةً: أنه تعالى قد استصلح عباده بغاية ما في قدرته من الصلاح في باب دينهم خاصَّةً، وأنه لا يقدر على صلاحٍ لهم في باب الدين أصلح مما فعله بهم» (^٤).
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٣١٠).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٩٢)، مفتاح دار السعادة (٢/ ٥١)، ولوامع الأنوار (١/ ٣٢٩).
(٣) الملل والنحل (١/ ٤٥).
(٤) تمهيد الأوائل (ص: ٢٩٢).
[ ٩٦ ]
ونقل البغداديُّ عن النظَّام أنه يقول: «إن الله ﷿ لا يقدر أن يفعل بعباده خلاف ما فيه صلاحهم، ولا يقدر على أن ينقص من نعيم أهل الجنَّة ذرَّةً؛ لأن نعيمهم صلاحٌ لهم، والنقصان مما فيه الصلاح ظلمٌ عنده، ولا يقدر أن يزيد في عذاب أهل النار ذرَّةً، ولا على أن ينقص من عذابهم شيئًا … ثم زاد على هذا بأن قال: إن الله تعالى لا يقدر على أن يُعمي بصيرًا أو يُزمِن صحيحًا أو يُفقِر غنيًّا إذا عَلِمَ أن البصر والصحَّة والغنى أصلح لهم» (^١).
وقال ابن حزمٍ: «ومن العجب اتِّفاق النظَّام والعلَّاف شيخي المعتزلة على أنه ليس يقدر الله تعالى من الخير على أصلح مما عمل» (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «ومذهبهم أنه لا يقدر أن يفعل مع مخلوقٍ من المصلحة الدينيَّة غير ما فعل، ولا يقدر أن يهدي ضالًّا ولا يُضِلَّ مهتديًا» (^٣). تعالى الله عن قولهم علوًّا عظيمًا.
وقد اختلف المعتزلة -بعد اتِّفاقهم على وجوب فعل الصلاح على الله للعباد- في مسألتين متفرِّعتين عن هذه المسألة:
المسألة الأولى: هل يجب على الله فعل الصلاح لعباده في الدين والدنيا، أم في الدين فقط؟
لهم في ذلك قولان (^٤):
القول الأوَّل: أنه يجب على الله فعل الصلاح للعباد في الدين دون الدنيا.
_________________
(١) الفرق بين الفرق (ص: ١١٥ - ١١٦)، وانظر: تمهيد الأوائل (ص: ٢٨٩).
(٢) الفصل (٤/ ١٤٧).
(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٩٢).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٩٢)، ولوامع الأنوار (١/ ٣٢٩)، والعواصم والقواصم (٤/ ١٣).
[ ٩٧ ]
وهو قول معتزلة البصرة، ومنهم: أبو عليٍّ الجُبَّائيُّ، وأبو هُذيلٍ العلَّاف، وإبراهيم النظَّام، والجاحظ.
القول الثاني: أنه يجب على الله فعل الصلاح للعبد في الدين والدنيا معًا. وهو قول معتزلة بغداد، ومنهم: محمدٌ الإسكافيُّ، وعبد الرحيم الخيَّاط، وعبد الله البلخيُّ، وابن أبي الحديد.
المسألة الثانية: هل يجب على الله فعل الأصلح.
اختلفوا في ذلك على قولين (^١):
القول الأوَّل: أنه يجب على الله فعل الأصلح لكلِّ عبدٍ من عباده، ويسمونه (اللطف). وهذ قول عامَّة المعتزلة، عدا بشر بن المعتمر.
واحتجُّوا لقولهم بأمرين:
١ - أن أصلح الأشياء هو الغاية، وقد فعله الله بعباده، ولا شيء يُتوهَّم وراء الغاية.
٢ - أنه لو كان في معلوم الله شيءٌ يؤمنون عنده أو يصلحون به ثم لم يفعله بهم؛ لكان مريدًا لفسادهم، وهو منزَّهٌ عن هذا.
القول الثاني: أنه لا يجب على الله فعل الأصلح. وهو قول بشر بن المعتمر.
وله فيه مأخذان:
١ - أن الأصلح لا نهاية له، فلا أصلح إلا وفوقه ما هو أصلح منه، ولا نهاية لقدرة الله على ذلك فيكون محالًا.
_________________
(١) انظر: مقالات الإسلاميِّين (١/ ١٩٦)، والملل والنحل (١/ ٦٥)، وشرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص: ٥٠٩)، والمعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها لعواد المعتق (ص: ١٩٧).
[ ٩٨ ]
٢ - أن الله لو فعل لهم الأصلح لآمن الناس به جميعًا وأطاعوه ولم يعصوه. وقد وجدنا من الناس الكافر والعاصي، فدلَّ على أنه لا يجب على الله.