قالوا: إن التكليف بما لا يُطاق جائزٌ. وهذا بناءً على قولهم: إن العبد
لا يكون قادرًا إلا حين الفعل، وإن القدرة لا تكون إلا مع الفعل. فعلى هذا كلُّ مكلَّفٍ حين التكليف قد كُلِّف بما لا يطيقه حينئذٍ، وإن كان قد يطيقه حين الفعل بقدرةٍ يخلقها الله له وقت الفعل (^٣).
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة (ص ٣٨٩).
(٢) المصدر نفسه (ص ٣٩٢).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٧٠)، وشرح الطحاوية (ص: ٤٤٥).
[ ١٠٤ ]
فهذا قول الأشاعرة من حيث الجملة، ثم اختلفوا في تفاصيل ما لا يُطاق على أقوال:
الأوَّل: مَنْ يقول بجواز التكليف بالممتنع لذاته، كالجمع بين النقيضين -كالرازيِّ، وغيره-. واحتجُّوا بأن الله كلَّف أبا لهبٍ بالإيمان مع علمه بأنه لا يؤمن وإخباره بأنه لا يؤمن. فكلَّفه بالجمع بين النقيضين بأن يفعل الشيء وبأن يصدِّق أنه لا يكون مصدِّقا بذلك؛ وهذا ممتنعٌ لذاته (^١).
والثاني: من يقول بجواز التكليف بالممتنع عادةً، كالمشي على الوجه، والطيران، دون الممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين؛ فإنه لا يُتصوَّر وجوده، فلا يُعقَل الأمر به (^٢).
والثالث: مَنْ يقول بجواز التكليف بما لا يُطاق للاشتغال بضدِّه، دون التكليف بما لا يُطاق للعجز؛ فلا يكلِّف الله به. وهذا قول المقتصدين من الأشاعرة، كالقاضي أبي بكر بن الباقلَّانيِّ، وأكثر أصحاب أبي الحسن، كما حكاه عنهم شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀ (^٣).
قال شارح الطحاويَّة: «وهؤلاء موافقون للسلف والأئمَّة في المعنى، لكن كونهم جعلوا ما يتركه العبد لا يُطاق لكونه تاركًا له مشتغلًا بضدِّه؛ بدعةٌ في الشرع واللغة؛ فإن مضمونه أن فعل ما لا يفعله العبد لا يطيقه! وهم التزموا هذا؛ لقولهم: إن الطاقة -التي هي الاستطاعة، وهي القدرة- لا تكون إلا مع الفعل! فقالوا: كلُّ مَنْ لم يفعل فعلًا؛ فإنه لا يطيقه! وهذا خلاف الكتاب والسنَّة
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٧١).
(٢) انظر: شرح الطحاوية (ص: ٤٤٥).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٩).
[ ١٠٥ ]
وإجماع السلف» (^١).
بيان الحق في ذلك:
الحق في هذه المسألة هو ما عليه أهل السنة، وهو مقتضى الأدلة: وهو المنع من إطلاق القول بالتكليف بما لا يطاق؛ لكون هذه المسألة محدثة، ولما فيها من الإجمال، على ماتقدم إيضاحه في قول أهل السنة.
وأما المسائل التي ادَّعى المتكلِّمون أنه من التكليف بما لا يُطاق؛ فالصواب فيها أنها على نوعين:
النوع الأوَّل: الممتنع بقسميه -وهما: الممتنع لذاته، كالجمع بين الضدين، والممتنع عادةً، كالطيران والمشي على الوجه-؛ فهذا لا يقع التكليف به. قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].
قال السمعانيُّ ﵀: «قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: طاقتها.
وقيل: ما (يشقُّ) عليها» (^٢).
وقال ابن كثيرٍ ﵀: «أي: لا يكلِّف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم» (^٣).
أما تكليف أبي لهبٍ وغيره بالإيمان؛ فهذا حقٌّ. وهو إذا أمر أن يصدِّق الرسول ﷺ في كلِّ ما يقوله وأخبر مع ذلك أنه لا يصدِّقه بل يموت كافرًا؛ لم
_________________
(١) شرح الطحاوية (ص: ٤٤٦).
(٢) تفسير السمعاني (١/ ٢٨٨).
(٣) تفسير ابن كثير (١/ ٧٣٧).
[ ١٠٦ ]
يكن هذا متناقضًا، ولا هو مأمورٌ أن يجمع بين النقيضين؛ فإنه مأمورٌ بتصديق الرسول في كلِّ ما بلَّغ، وهذا التصديق لا يصدر منه.
ولو قيل له: آمن، ونحن نعلم أنك لا تؤمن بهذا الذي أُمِرت به، وهو أن محمَّدًا رسول الله، مع قدرتك عليه، وإذا صدَّقتنا في خبرنا أنك لا تؤمن لم يكن هذا تناقضًا.
وإيضاحه: أنه لم يؤمر بالإيمان بالرسول ﷺ والتصديقِ بأنه لا يؤمن في حال واحدةٍ. بل أُمِر أوَّلًا بتصديق الرسول تصديقًا مطلقًا، وهو قادرٌ عليه، ثم وقع الخبر بكفره بعد تكذيبه، ولم يقل له: صدِّق ابتداءً بالرسول وبالخبر أنك لا تؤمن في وقتٍ واحدٍ (^١).
النوع الثاني: ما لا يُطاق للاشتغال بضدِّه، كاشتغال الكافر بالكفر؛ فهذا جائزٌ.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: (تكليف ما لا يُطاق)، وهو على ضربين:
أحدهما: تكليف ما لا يُطاق لوجود ضدِّه من العجز، وذلك مثل أن يكلَّف المقعد القيام، والأعمى الخطَّ ونقط الكتاب، وأمثال ذلك؛ فهذا مما لا يجوز تكليفه، وهو مما انعقد الإجماع عليه، وذلك لأن عدم الطاقة فيه ملحَقةٌ بالممتنع والمستحيل، وذلك يوجب خروجه عن المقدور، فامتنع تكليف مثله.
والثاني: تكليف ما لا يُطاق لا لوجود ضدِّه من العجز، مثل أن يكلَّف الكافر الذي سبق في علمه أنه لا يستجيب للتكليف، كفرعون وأبي جهلٍ وأمثالهم؛ فهذا جائزٌ. وذهبت المعتزلة إلى أن تكليف ما لا يُطاق غير جائزٍ. قال: وهذه المسألة كالأصل لهذه» (^٢).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٧٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠١ - ٣٠٢).
[ ١٠٧ ]
وقال ﵀: (تكليف ما لا يُطاق) ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: ما لا يُطاق للعجز عنه، كتكليف الزَّمِن المشي، وتكليف الإنسان الطيران، ونحو ذلك. فهذا غير واقعٍ في الشريعة عند [جماهير] أهل السنَّة المثبتين للقدر.
والثاني: ما لا يُطاق للاشتغال بضدِّه، كاشتغال الكافر بالكفر؛ فإنه هو الذي صدَّه عن الإيمان، وكالقاعد في حال قعوده؛ فإن اشتغاله بالقعود يمنعه أن يكون قائمًا. والإرادة الجازمة لأحد الضدَّين تنافي إرادة الضدِّ الآخر، وتكليف الكافر الإيمان من هذا الباب.
ومثل هذا ليس بقبيحٍ عقلًا عند أحدٍ من العقلاء، بل العقلاء متَّفقون على أمر الإنسان ونهيه بما لا يقدر عليه حال الأمر والنهي لاشتغاله بضدِّه، إذا أمكن أن يترك ذلك الضدَّ ويفعل الضدَّ المأمور به.
وإنما النزاع هل يُسمَّى هذا تكليف ما لا يُطاق لكونه تكليفًا بما انتفت فيه القدرة المقارنة للفعل؟ فمن المثبتين للقدر مَنْ يُدخِل هذا في تكليف ما لا يُطاق، كما يقوله القاضي أبو بكرٍ والقاضي أبو يعلى وغيرهما، ويقولون: ما لا يُطاق على وجهين: منه ما لا يُطاق للعجز عنه، وما لا يُطاق للاشتغال بضدِّه.
ومنهم مَنْ يقول: هذا لا يدخل فيما لا يُطاق، وهذا هو الأشبه بما في الكتاب والسنَّة وكلام السلف؛ فإنه لا يُقال للمستطيع المأمور بالحجِّ إذا لم يحجَّ إنه كُلِّف بما لا يطيق، ولا يُقال لمن أُمِر بالطهارة والصلاة فترك ذلك كسلًا أنه كُلِّف ما لا يطيق» (^١).
_________________
(١) منهاج السنة (٣/ ١٠٥ - ١٠٤).
[ ١٠٨ ]