قالوا: إن أفعال العباد مخلوقةٌ لله -جل وعلا-، وهي مع كونها خلق الله فهي كسبٌ للعبد، وله عليها قدرةٌ غير مؤثرةٍ.
وقول الأشاعرة هنا متناقضٌ غير معقولٍ؛ فإن القدرة إذا لم يكن لها تأثيرٌ أصلًا في الفعل كان وجودها كعدمها، ولم تكن قدرةً، وفي الحقيقة إنه لا يُعقَل
_________________
(١) انظر: شرح الطحاوية (ص: ٦٥٢).
(٢) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٣٥٨).
[ ٦٢ ]
فرقٌ بين الفعل الذي نفوه، والكسب الذي أثبتوه (^١).
ولذا سخر منهم خصومُهم المعتزلةُ وسائرُ العقلاءِ، فقالوا: «ثلاثة أشياء لا حقيقة لها: طفرة النظَّام، وأحوال أبي هاشمٍ، وكسب الأشعريِّ» (^٢).
وحقيقة هذا القول يعود إلى قول الجهميَّة الجبريَّة، قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «ولا يقول -أي: الأشعريُّ- إن العبد فاعلٌ في الحقيقة، بل كاسبٌ، ولم يذكروا بين الكسب والفعل فرقًا معقولًا، بل حقيقة قولهم قول جهمٍ: إن العبد لا قدرة له ولا فعل ولا كسب» (^٣).
ولهذا عدَّهم بعض العلماء من أصناف الجبريَّة، كما ذهب إلى ذلك الجرجانيُّ في قوله: «الجبريَّة اثنتان: متوسِّطةٌ تثبت للعبد كسبًا؛ كالأشعريَّة، وخالصةٌ لا تثبته؛ كالجهميَّة» (^٤).
_________________
(١) انظر: النّبوات (١/ ٤٦١، ٥٨١)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٢٨، ٤٦٧).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٢٨)، وكسب الأشعري قد تقدّم، وملخّصه: دعواه أنّ العبد ليس هو الفاعل، ولا له قدرة مؤثِّرة في الفعل، ولكن يقول هو كاسبٌ. انظر: النّبوات (١/ ٥٨١). وأحوال أبي هاشمٍ: المراد بها: الصّفات المعنويَّة التي انفرد بها أبو هاشمٍ الجُبَّائيُّ المتوفى سنة (٣٢١ هـ)، دون سائر المعتزلة، مع نفيه صفات المعانِي؛ فيقول: «لم يزل الله عالمًا قادرًا»، وكان إذا قيل له: لم يزل عالمًا بالأشياء؟ قال: «لا أقول لم يزل عالمًا بالأشياء». ويقول: «هو عالمٌ بذاته، ويعلم الصّفة على الذّات لا بانفرادها». انظر: مقالات الإسلاميّين (١/ ٢٣٨)، والملل والنّحل (١/ ٦٩)، وأضواء على طريق الدّعوة للشّيخ محمّد أمان الجامِي (ص: ١٧٤، ١٧٥). وطفرة النّظام: هي زعمه أنّه يجوز أن يكون الجسم الواحد في مكانٍ، ثم يصير إلى المكان الثّالث ولم يمرّ بالثّانِي على جهة الطفرة. انظر: مقالات الإسلاميّين (٢/ ١٩).
(٣) كتاب النّبوات (١/ ٤٦١، ٤٦٢).
(٤) التعريفات (ص: ١٠٦).
[ ٦٣ ]