غلوا في الأسباب من أفعال الحيوان وقالوا: إن كل ما تولد عن فعل العبد فهو فعله لا يضاف إلى غيره كالشبع والري وزهوق الروح ونحو ذلك، وقالوا: إن العبد بفعله للسبب مستقلٌّ بإيجاده وإحداثه، ولذا أنكروا خلق الله لأفعال العباد ولم يقولوا بذلك في سائر القوى والطبائع، بل يقرون بخلق الله لها وإيجادها خلافًا للفلاسفة (^١).
قال أبو الحسن الأشعريُّ: «اختلفوا في السبب؛ هل هو موجِبٌ للمسبَّب أم لا؟ على مقالتين:
فقال أكثر المعتزلة المثبتين للتولُّد: الأسباب موجِبة لمسبَّباتها.
وقال الجُبَّائيُّ: السبب لا يجوز أن يكون موجِبًا للمسبَّب، وليس الموجِب للشيء إلا مَنْ فعله وأوجده» (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ثم القدريَّة من هؤلاء يثبتون التأثير لأفعال
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٥٣١)، ولوامع الأنوار البهية (٢/ ٧٢)
(٢) مقالات الإسلاميين (٢/ ٣٠٤).
[ ١٨٤ ]
الحيوان، ولا يثبتون تأثيرًا لغير ذلك» (^١).
وقال ﵀: «ولهذا أضاف مَنْ أضاف من القدريَّة المعتزلة وغيرهم الغلاء والرخص إلى بعض الناس، وبنوا على ذلك أصولًا فاسدةً: أحدها: أن أفعال العباد ليست مخلوقةً لله تعالى.
والثاني: أن ما يكون فعلُ العبد سببًا له يكون العبد هو الذي أحدثه.
والثالث: أن الغلاء والرخص إنما يكون بهذا السبب.
وهذه الأصول باطلةٌ؛ فإنه قد ثبت أن الله خالق كلِّ شيءٍ من أفعال العباد وغيرها؛ ودلَّت على ذلك الدلائل الكثيرة السمعيَّة والعقليَّة، وهذا متَّفقٌ عليه بين سلف الأمَّة وأئمَّتها» (^٢).
الرد عليهم:
قول المعتزلة في المبالغة في الأسباب من أفعال الحيوان وتأثيرها باطل، وقد ضلُّوا في زعمهم أن العبد مستقلٌّ بفعله، وأن الله لم يخلق أفعال العباد، وإن كان قولهم دون قول الفلاسفة في الضلال.
ومقالة هؤلاء المغالين في الأسباب من الفلاسفة والمعتزلة هي مقابل مقالة الجهميَّة الجبريَّة، فكما عطَّل أولئك الأسباب وأبطلوا تأثيرها بالكلِّيَّة؛ غلا هؤلاء في إثبات الأسباب، وبالغوا في إثبات تأثيرها حتى زعموا أنها مستقلَّةٌ بالإيجاد على تفاوت بينهم في ذلك كما تقدم.
والصحيح أن هذه الأسباب ليست مؤثِّرةً بنفسها، بل بقدرة الله وتقديره ومشيئته. وقد ثبت أن النبيَّ ﷺ كان يقول في دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ: «لا إله إلا
_________________
(١) الاستغاثة في الرد على البكري (ص: ٢١٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٢٠ - ٥٢١).
[ ١٨٥ ]
الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، اللهمَّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ» (^١).
فدلَّ الحديث على تفرُّد الخالق بالعطاء والمنع، مع أن الناس موصوفون بالمنع والعطاء، كما جاء في الحديث عن النبيِّ ﷺ: «مَنْ أعطى لله تعالى، ومنع لله تعالى، وأحبَّ لله تعالى، وأبغض لله تعالى، وأنكح لله تعالى؛ فقد استكمل إيمانه» (^٢).
فالناس يُضاف إليهم المنع والعطاء باعتبار الفعل وبذل السبب، ولا يكون هذا العطاء والمنع ماضيين إلا بإذن الله ومشيئته، وهذا في معنى قول النبيِّ ﷺ في وصيَّته لابن عبَّاسٍ: «واعلم أن الأمَّة لو اجتمعوا على أن ينفعوك؛ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوك؛ لم يضرُّوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك» (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في الردِّ عليهم: «فليس في الدنيا والآخرة شيءٌ إلا بسببٍ، والله خالق الأسباب والمسبَّبات، ولهذا قال بعضهم: (الالتفات إلى الأسباب؛ شركٌ في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا؛ نقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلِّيَّة؛ قدحٌ في الشرع).
ومجرَّد الأسباب لا يوجِب حصول المسبَّب؛ فإن المطر إذا نزل، وبُذِر الحبُّ؛ لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لا بدَّ من ريحٍ مربِّيةٍ بإذن الله،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣).
(٢) أخرجه أحمد (٢٤/ ٣٨٣) ح (١٥٦١٧)، والحاكم (٢/ ١٧٨) ح (٢٦٩٤). وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٤١٠) ح (٢٦٦٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٣١٨).
[ ١٨٦ ]
ولا بدَّ من صرف الانتفاء عنه؛ فلا بدَّ من تمام الشروط وزوال الموانع، وكلُّ ذلك بقضاء الله وقدره … وكذلك أمر الآخرة؛ ليس بمجرَّد العمل ينال الإنسان السعادة، بل هي سببٌ، ولهذا قال النبيُّ ﷺ: «إنه لن يدخل أحدكم الجنَّة بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ» (^١)، وقد قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، فهذه باء السبب، أي: بسبب أعمالكم، والذي نفاه النبيُّ ﷺ باء المقابلة، كما يُقال: اشتريت هذا بهذا، أي: ليس العمل عوضًا وثمنًا كافيًا في دخول الجنَّة، بل لا بدَّ من عفو الله» (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٦٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٧٠).
[ ١٨٧ ]