لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي، بل الحجَّة قائمةٌ على العباد بما جعل الله لهم من الإرادة والاختيار والقدرة على أعمالهم من خيرٍ وشرٍّ. وقد دلَّت على ذلك الأدلَّة، وصرَّح به الأئمَّة في تقرير معتقد أهل السنَّة.
وبيان ذلك من وجوهٍ:
أوَّلًا: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا
وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨، ١٤٩]. فقد أنكر الله على المشركين احتجاجهم بالقدر على شركهم، وبيَّن أنه من التكذيب الذي وافقوا فيه من قبلهم، وأنهم لم يستندوا فيه لعلمٍ صحيحٍ، بل هم متَّبعون فيه للظنِّ والتخرُّص، وأنه ليس لهم في ذلك حجَّةٌ، بل لله الحجَّة البالغة والحكمة التامَّة في هداية مَنْ هدى وإضلال مَنْ أضلَّ.
وفي معنى الآية السابقة قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠].
وهذه الآيات هي حجَّةٌ على بطلان مقالة المحتجِّين بالقدر من هذه الأمَّة، وأنهم متشبِّهون في هذا بالمشركين الذين بيَّن الله بطلان مقالتهم بأبلغ حجَّةٍ.
[ ١٥٨ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «فهؤلاء المحتجُّون بالقدر على سقوط الأمر والنهي من جنس المشركين المكذِّبين للرسل، وهم أسوأ حالًا من المجوس. وهؤلاء حجَّتهم داحضةٌ عند ربِّهم، وعليهم غضبٌ، ولهم عذابٌ شديدٌ» (^١).
ثانيًا: قول الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]. فأخبر الله أنه ليس للناس على الله حجَّةٌ بعد إرسال الرسل، ولو كان الاحتجاج بالقدر حجَّةً صحيحةً؛ لكان للمشركين وسائر الكفرة يوم القيامة حجَّةٌ على الله، ولم يعذِّبهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «ولو كان القدر حجَّةً لأحدٍ لم يعذِّب الله المكذِّبين للرسل، كقوم نوحٍ وعادٍ وثمود والمؤتفكات وقوم فرعون، ولم يأمر بإقامة الحدود على المعتدين» (^٢).
ثالثًا: أن الاحتجاج بالقدر لو كان حجَّةً صحيحةً لأصحاب الذنوب ويمنع من العقوبة واللوم عليها؛ فهو حجَّةٌ أيضًا لمن عاقبهم ولامهم وذمَّهم على ذنوبهم. ويُذكَر أن رجلًا سرق، فقال لعمر: سرقتُ بقضاء الله وقدره، فقال له عمر: «وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره» (^٣).
رابعًا: أنه يلزم مَنْ احتجَّ بالقدر على الذنوب ألَّا يلوم أحدًا على خطأ، ولا ينتصر من ظالمٍ ظَلَمَه، ولا يطالب بمعاقبة معتدٍ اعتدى عليه في نفسٍ أو مالٍ أو عرضٍ؛ لأن ذلك كلَّه بقضاء الله، فلا لوم ولا عقوبة على أحدٍ في شيءٍ من ذلك.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٣).
(٢) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص: ١٣٣).
(٣) انظر: منهاج السنة (٣/ ٢٣٤)، وشرح الطحاوية (ص: ١٠٥).
[ ١٥٩ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية «ولا يحتجُّ أحدٌ بالقدر إلا إذا كان متَّبعًا لهواه بغير هدىً من الله، ومَن رأى القدر حجَّةً لأهل الذنوب يرفع عنهم الذمَّ والعقاب؛ فعليه أن لا يذمَّ أحدًا ولا يعاقبه إذا اعتدى عليه، بل يستوي عنده ما يوجِب اللذة وما يوجِب الألم، فلا يفرِّق بين مَنْ يفعل معه خيرًا وبين مَنْ يفعل معه شرًّا، وهذا ممتنعٌ طبعًا وعقلًا وشرعًا» (^١).
خامسًا: أن الاحتجاج بالقدر إنما يكون على المصائب لا على المعايب، كما دلَّت على ذلك النصوص الصحيحة، وقرَّره الأئمَّة المحقِّقون.
ففي صحيح مسلمٍ من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ؛ فلا تقل: «لو أني فعلت كان كذا وكذا»، ولكن قل: «قدر الله وما شاء فعل»، فإن «لو» تفتح عمل الشيطان» (^٢). فأرشد النبيُّ ﷺ إلى بذل السبب والحرص على الخير والنفع، فإذا أُصيب الإنسان بمصيبةٍ آمن بالقدر وسلَّم لأمر الله، وقال: (قدر الله وما شاء فعل).
وعلى هذا تُحمَل محاجَّة آدم وموسى، كما جاء في حديث أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ، قال: «احتجَّ آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم، أنت أبونا، خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنَّة، قال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخطَّ لك بيده، أتلومني على أمرٍ قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنةً؟
_________________
(١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص: ١٣٣).
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٦٤).
[ ١٦٠ ]
فحجَّ آدم موسى، فحجَّ آدم موسى» (^١).
فهذه المحاجَّة بين آدم وموسى كانت على المصيبة التي لحقت الذرِّيَّة بإخراج آدم من الجنَّة، ولم تكن على ذنب آدم وخطيئته.
ويشهد لهذا عدَّة أمورٍ:
أ- أن موسى كان يحاجُّ في المصيبة التي لحقت الذرِّيَّة بإخراج آدم من الجنَّة، ولذا قال: «خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنَّة»، ولو أراد الذنب لقال: (لِمَ أذنبت وعصيت؟).
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «الصواب في قصَّة آدم وموسى: أن موسى لم يَلُمْ آدم إلا من جهة المصيبة التي أصابته وذرِّيَّتَه بما فعل، لا لأجل أنَّ تارك الأمر مذنبٌ عاصٍ، ولهذا قال: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنَّة؟ لم يقل: لِمَ خالفت الأمر؟ ولماذا عصيت؟» (^٢).
ب- أن موسى كان أعلم من أن يلوم أباه على ذنبٍ قد تاب منه، وموسى قد أذنب وتاب من ذنبه.
قال ابن أبي العزِّ الحنفيُّ: «وموسى ﵇ كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم ﵇ على ذنبٍ قد تاب منه وتاب الله عليه واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنَّة» (^٣).
ج- أن آدم أعلم من أن يحتجَّ بالقدر على الذنب، وقد اعترف بذنبه واستغفر منه في مقام العتاب عليه من ربِّه، فكيف يحتجُّ به بعد ذلك في خطابه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٣١٩).
(٣) شرح الطحاوية (ص ١٣٥، ١٣٦)، وانظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٢١).
[ ١٦١ ]
لموسى. قال تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٢ - ٢٣].
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وآدم أعلم من أن يحتجَّ بالقدر على أن المذنب لا ملام عليه، فكيف وقد علم أن إبليس لعنه الله بسبب ذنبه، وهو أيضًا كان مقدَّرًا عليه، وآدم قد تاب من الذنب واستغفر. فلو كان الاحتجاج بالقدر نافعًا له عند ربه؛ لاحتجَّ ولم يتب ويستغفر» (^١).
د- أن النبيَّ ﷺ أخبر أن آدم حجَّ موسى. ولو كانت المحاجَّة على الذنب لكانت الحجَّة لموسى؛ لتحريم الاحتجاج بالقدر على المعاصي -كما تقدَّم في الأدلَّة-، فدلَّ ذلك على أن المحاجَّة على المصيبة لا على الخطيئة.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٢١ - ٣٢٢).
[ ١٦٢ ]
المبحث الخامس
بيان النهي عن الخوض في القدر،
وحقيقة الخوض وحدّه
مما يدخل في جملة الإيمان بالقدر: الحذرُ من الخوض في القدر، وتركُ التعمُّق والبحث عما حجب الله عن الخلق علمه في هذا الباب؛ كالتنقيب عن سرِّ الله في القدر، ومعرفة حكمة الله في هداية مَنْ هدى وإضلال مَنْ أضلَّ، والوقوفُ عند حدود النصوص الشرعيَّة الواردة في بيان القدر، والتفقُّهُ فيها بمعرفة المشروع فيُمتثَل، والممنوع فيُجتنَب.
وقد دلَّت على ذلك الأدلَّة.
فعن عبد الله بن مسعودٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ، قال: «إذا ذُكِر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذُكِرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذُكِر القدر فأمسكوا» (^١).
وعن عمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، وهم يختصمون في القدر، فكأنما يُفقَأ في وجهه حبُّ الرمَّان من الغضب، فقال: «بهذا أُمِرتم؟ -أو لهذا خلقتم؟ - تضربون القرآن بعضه ببعضٍ، بهذا هلكت الأمم قبلكم» (^٢). وقد حذَّر الأئمَّة كذلك من الخوض في القدر، ونقلوا إجماع السلف على ذلك.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٩٦) ح (١٤٢٧)، والبيهقي في القضاء والقدر (ص: ٢٩١) (٤٤٤). وحسَّن إسناده المباركفوري في تحفة الأحوذي (٦/ ٢٨١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ١٥٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٨٥). وقال الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (١/ ١٥٧): «حسن صحيح». صحيح سنن ابن ماجه (١/ ١٥٧).
[ ١٦٣ ]
قال الإمام أحمد في أصول السنَّة: «وأن لا يخاصم أحدًا ولا يناظره، ولا يتعلَّم الجدال؛ فإن الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن مكروهٌ ومنهيٌّ عنه، لا يكون صاحبه -وإن أصاب بكلامه السنَّة- من أهل السنَّة حتى يدع الجدال ويؤمن بالآثار» (^١).
وقال الإمام الطحاويُّ: «وأصل القدر سرُّ الله تعالى في خلقه، لم يطَّلع على ذلك ملكٌ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مرسلٌ. والتعمُّق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلَّم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كلَّ الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسةً؛ فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. فمن سأل: لم فعل؟ فقد ردَّ حكم الكتاب، ومَن ردَّ حكم الكتاب، كان من الكافرين» (^٢).
وقال ابن بطة: «وقد كان سلفنا وأئمَّتنا -رحمة الله عليهم- يكرهون الكلام في القدر، وينهون عن خصومة أهله ومواضعتهم القول أشدَّ النهي، ويتَّبعون في ذلك السنَّة وآثار المصطفى ﷺ» (^٣).
وقال ابن عبد البرِّ: «والقدر سرُّ الله، لا يُدرَك بجدال، ولا يشفي منه مقالٌ، والحجِاج مرتجةٌ (^٤) مغلقةٌ، لا يفتح شيءٌ منها إلا بكسر شيءٍ، وقد تواترت الآثار
_________________
(١) أصول السنة لأحمد بن حنبل (ص: ٢٠ - ٢١).
(٢) الطحاوية مع شرحها (ص: ٢٢٥).
(٣) الإبانة الكبرى (٣/ ٢٣٨).
(٤) الحِجاج: جمع حُجَّةٍ، والحُجَّة هي: البرهان. وقال الأزهريُّ: الحجَّة الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة. ومرتجةٌ: أي مغلقةٌ، يُقال: أرتج الباب ورتجه إذا أغلقه، ومنه قول الناس: أُرتِج على فلانٍ في منطقه، إذا انغلق عليه الكلام. والمقصود أن المحاجَّة في القدر طريقها مغلقٌ لا سبيل فيها لتحصيل العلم؛ لأن القدر سرُّ الله. انظر: جمهرة اللغة لابن دريد (١/ ٣٨٥)، وتهذيب اللغة للأزهري (٣/ ٢٥١)، ومجمل اللغة لابن فارس (ص: ٤١٧).
[ ١٦٤ ]
عن السلف الصالح بالنهي عن الجدال فيه والاستسلام له والإيمان به» (^١).
وكلام الأئمَّة في ذلك كثيرٌ، مما يدلُّ على اشتهار ذلك عندهم، واستفاضته فيهم. فعلى المسلم الحريص على دينه أن يسلك طريقهم، ويرضى لنفسه ما ارتضوه لأنفسهم، وأن يسعه ما وسعهم.
ولكن لما كان (الخوض في القدر) لفظًا فيه إجمالٌ، فقد يدَّعي كلُّ متكلِّمٍ في القدر بباطلٍ أن كلامه في ذلك من باب العلم وليس من الخوض المحرَّم في شيءٍ؛ فلا بدَّ من ضبط ذلك ومعرفة الحدِّ الفاصل بين الكلام في القدر بحقٍّ -الذي هو داخل في العلم المرغَّب في طلبه وتحصيله-، وبين الخوض في القدر بالباطل -الواجبِ اجتنابُه والتحذيرُ منه-.
وحدُّ ذلك يحصل بمراعاة الفوارق بين الكلام في القدر بعلمٍ وبين الخوض المحرَّم من عدَّة اعتباراتٍ:
باعتبار النيَّة والقصد من الكلام، وباعتبار المتكلِّم، وباعتبار المتكلَّم فيه، وباعتبار طريقة الكلام.
وبيانها فيما يلي: