«وهي الإيمان بعلم الله ﷿ المحيط بكلِّ شيءٍ من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات؛ فعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم، وشقاوتهم وسعادتهم، ومَنْ هو منهم من أهل الجنَّة، ومَنْ هو منهم من أهل النار قبل أن يخلقهم، ومن قبل أن يخلق الجنَّة والنار، علم دِقَّ ذلك وجليله، وكثيره وقليله، وظاهره وباطنه، وسرَّه وعلانيته، ومبدأه ومنتهاه، كلُّ ذلك بعلمه الذي هو صفته ومقتضى اسمه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علَّام الغيوب» (^٢).
الأدلَّة على ذلك:
أوَّلًا: من الكتاب:
[١] قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢].
[٢] قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (١/ ١٣٣).
(٢) معارج القبول (٣/ ٩٢٠).
[ ٤٥ ]
[٣] قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
[٤] قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
قال مجاهدٌ: «علم من إبليس المعصية وخلقه لها» (^١).
وقال قتادة: «كان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسلٌ وقومٌ صالحون وساكنو الجنة» (^٢).
ثانيًا: من السنَّة:
[١] حديث عمران بن حُصينٍ ﵁، قال: قال رجلٌ: يا رسول الله! أيُعرَف أهل الجنَّة من أهل النار؟ قال: «نعم». قال: فَلِمَ يعمل العاملون؟ قال: «كلٌّ يعمل لِمَا خُلِقَ له، أو: لِمَا ييسَّر له» (^٣).
[٢] حديث ابن عبَّاسٍ ﵄، قال: سُئِلَ النَّبِي ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (^٤).
[٣] حديث عليٍّ ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ ذات يومٍ جالسًا، وفي
_________________
(١) أخرجه الطبري في التفسير (١/ ٢٥٠)، واللالكائي (٢/ ٥٤٦)، وإسناده صحيحٌ. انظر: التفسير الصحيح للدكتور حكمت بشير (١/ ١٣٥).
(٢) أخرجه الطّبري في التّفسير (١/ ٢٥٠)، وإسناده حسن. انظر: التّفسير الصّحيح للدّكتور حكمت بشير (١/ ١٣٦).
(٣) أخرجه البخاري (٦٥٩٦)، ومسلم (٢٦٤٩).
(٤) أخرجه البخاري (٦٥٩٧)، ومسلم (٢٦٦٠).
[ ٤٦ ]
يده عودٌ ينكت به، فرفع رأسه، فقال: «ما منكم من نفسٍ إلا وقد عُلِمَ مَنْزلها من الجنَّة والنار»، قالوا: يا رسول الله! أفلا نتَّكل؟ قال: «لا، اعملوا؛ فكلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِق له»، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إلى قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (^١).