«وهي الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فما يحدث شيءٌ في الكون إلا وقد علمه وكتبه قبل حدوثه» (^٢).
الأدلة على هذه المرتبة:
أوَّلًا: الأدلة من الكتاب:
[١] قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
قال ابن القيِّم: «فالزبور هنا جميع الكتب المُنَزَّلة من السماء، لا تختص بزبور داود، والذكر: أمُّ الكتاب الذي عنده، والأرض: الدنيا، وعباده الصالحون: أمَّة محمَّدٍ ﷺ. هذا أصحُّ الأقوال في هذه الآية» (^٣).
[٢] قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢].
قال ابن القيِّم: «فجمع بين الكتابَيْن: الكتاب السابق لأعمالهم قبل وجودهم،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٦٠٥)، ومسلم (٢٦٤٧) واللفظ له.
(٢) شرح الواسطية للشيخ صالح الفوزان (ص: ١٢٦).
(٣) شفاء العليل (١/ ١٦١).
[ ٤٧ ]
والكتاب المقارِن لأعمالهم» (^١).
وقال: «والمقصود: أن قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ -وهو اللوح المحفوظ، وهو أمُّ الكتاب، وهو الذكر الذي كُتِب فيه كلُّ شيءٍ- يتضمَّن كتابة أعمال العباد قبل أن يعملوها» (^٢).
[٣] قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠].
قال ابن كثيرٍ: «يخبر عن كمال علمه بخلقه، وأنه محيطٌ بما في السموات وما في الأرض … وأنه تعالى علم الكائنات قبل وجودها، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ» (^٣).
ثانيًا: الأدلَّة من السنَّة:
[١] حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنةً» قال: «وعرشه على الماء» (^٤).
[٢] حديث عمران بن حُصينٍ ﵁ عن النَّبِي ﷺ، وفيه: «كان الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق الله السموات والأرض، وكتب في الذكر كلَّ شيءٍ» (^٥).
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ١٦٢).
(٢) المصدر نفسه (١/ ١٦٣).
(٣) تفسير ابن كثير (٥/ ٤٥٢).
(٤) أخرجه مسلم (٢٦٥٣).
(٥) أخرجه البخاري (٧٤١٨).
[ ٤٨ ]
ويدخل في الإيمان بكتابة المقادير خمسة تقادير (^١):
الأوَّل: التقدير الذي كان عند خلق الله للقلم، وقبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنةٍ.
ودليل هذا التقدير قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، كما دلَّ عليه الحديثان السابقان: حديث عمران بن حُصينٍ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃.
الثاني: التقدير حين أخذ الله الْميثاق على بَنِي آدم، ودلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
الثالث: التقدير العمريُّ عند تخليق النطفة؛ فيُكتَب ذكورتها وأنوثتها، وأجلها وعملها، وشقاوتها وسعادتها.
وقد دلَّ عليه حديث عبد الله بن مسعودٍ ﵁ عن النَّبِي ﷺ أنه قال: «إن أحدكم يُجمَع خلقه في بطن أمِّه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مُضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيُؤمر بأربع كلماتٍ، ويُقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقيٌّ أو سعيدٌ …» (^٢).
الرابع: التقدير الحوليُّ في ليلة القدر، يُقدَّر فيها كلُّ ما يكون في السنة.
ودليله قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٣ - ٤].
_________________
(١) انظر: التّفصيل في هذه الأنواع في: شفاء العليل (١/ ٥٥ - ١١٥)، ومعارج القبول (٣/ ٩٢٨ - ٩٣٧).
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣).
[ ٤٩ ]
الخامس: التقدير اليوميُّ، وهو سوق المقادير إلى المواقيت التي قُدِّرت لها فيما سبق.
ودليله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
وهذا التقدير اليوميُّ تفصيلٌ من التقدير الحوليِّ، والحوليُّ تفصيلٌ من التقدير العمريِّ لكلِّ إنسانٍ، والعمريُّ تفصيلٌ من التقدير العمريِّ الأوَّل عند أخذ الميثاق، وهذا التقدير تفصيلٌ من التقدير الأزليِّ الذي في اللوح المحفوظ (^١).