والحق في ذلك هو ما قال به أهل السنة وقولهم وسط بين المقالتين المخالفتين، وقد اشتملت كلتا المقالتين المخالفتين على حقٍّ وباطلٍ. وهدى الله أهل السنَّة لما اختُلِف فيه من الحقِّ بإذنه، وعصمهم من الضلال بفضله (^٢).
فالمعتزلة القدريَّة: أصابوا فيما أثبتوا لله من الحكمة والتنزُّه عن ضدِّها. وأخطؤوا في إخضاع هذه الحكمة لعقولهم وإيجابهم على الله تعالى بمقتضى العقل والقياس على الخلق. ومن ذلك إيجابهم على الله فعل الصلاح أو الأصلح لكل عبدٍ. كما أخطؤوا فيما نسبوه إليه من عدم القدرة على فعل ما لم يفعل لخلقه من الصلاح، فنسبوه إلى العجز -تعالى الله عن ذلك-.
والجهميَّة والأشعريَّة: أصابوا في عدم الإيجاب على الله من المخلوقين، وفي ردِّهم لمقالة المعتزلة في إيجابهم على الله فعل الصلاح والأصلح بمجرَّد العقل والقياس على الخلق.
وأخطؤوا في نفيهم الحكمة والرحمة عن الله في أفعاله، وزعمهم أنه لا يفعل لحكمةٍ ولا لرحمةٍ بل لمجرَّد المشيئة، ولا يفعل لمنفعة العباد وصلاحهم، وأنه يجوز عليه أن يعذِّب المطيع وينعِّم العاصي.
_________________
(١) منهاج السنة (٦/ ٣٩٧).
(٢) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٦١).
[ ١٠٠ ]
وأهل السنَّة: جمعوا بين الحقِّ الذي تفرَّق في الطائفتين، وسلموا من الضلال الذي افترقتا فيه.
فأثبتوا لله الحكمة في الخلق والأمر والتنزُّه عن ضدِّها وما لا يليق بعظمته، لكن ليس على فهم القدريَّة المعتزلة المستلزم الإيجاب على الله بمجرَّد العقل، وأنه يجب عليه فعل الصلاح والأصلح لكلِّ عبدٍ.
ولم يوجبوا على الله فعل الصلاح والأصلح، لكن ليس على فهم الجهميَّة والأشاعرة المجبرة المستلزم نفي الحكمة والرحمة والمصلحة عن الله في أفعاله ودعوى أنه يفعل لمجرَّد المشيئة المحضة.
[ ١٠١ ]