الحق في هذه المسألة هو ما عليه أهل السنة. على ما تقدَّم تفصيله.
ومدار قولهم فيها قائم على التفريق بين الإرادتين، فيفرِّقون بين الإرادة الشرعيَّة التي تستلزم محبَّة الله ورضاه، وبين الإرادة الكونيَّة التي قد يخلق الله بها مايحبه ويرضاه وما لا يحبُّه ولا يرضاه. وكذا التفريق بين مايقدره الله على العبد مما هو داخل في اختيار العبد كأفعال العبد الاختيارية، وما يقدره على العبد مما لا يدخل في اختياره كالنعم والمصائب. وكذلك التفريق بين الأمور المقدرة من جهة كونها فعلًا للعبد وكسبًا له؛ ومن جهة كونها مخلوقةً للربِّ.
ومنشأ خطأ المخالفين من الجبريَّة والقدريَّة عدم التفريق بين الإرادتين، فيجعلون الإرادة نوعًا واحدًا، ويرون أنها بمعنى المحبَّة والرضى، ثم افترقوا فيها:
فغلَّب الجبريَّة جانب القدر، وقالوا: علمنا أن كلَّ شيءٍ بقدرٍ، وكلَّ ما قدَّره الله فهو يحبُّه ويرضاه، ونحن مأمورون بالحبِّ والرضى لكلِّ ما قدَّره ولو كان
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٢٦٥).
(٢) شفاء العليل (٢/ ٧٦١).
[ ١٣٨ ]
من الكفر والمعاصي، فعطَّلوا بذلك الشرع.
وغلَّب القدريَّة جانب الشرع، وقالوا: علمنا أن الله لا يرضى الكفر والمعاصي ولا يحبُّها، فنحن لا نرضاها ولا نحبُّها، وكلُّ ما لا يرضاه ولا يحبُّه فهو لا يقدِّره ولا يخلقه، وعطَّلوا بذلك القدر.
فالجبريَّة مصيبون في قولهم: إن الله قدَّر المعاصي، ضالُّون في زعمهم أن الله يرضاها ويحبُّها.
والقدريَّة مصيبون في قولهم: إن الله لا يرضى المعاصي ولا يحبُّها، ضالُّون في زعمهم أن الله لم يخلقها ويقدِّرها.
وأهل السنَّة جمعوا بين إصابتي الفريقين، وتجنَّبوا ضلالتيهما، وأثبتوا الإرادتين، واعتدلوا في لوازمهما من الرضى والبغض، وجمعوا بين القدر والشرع، ولم يعارضوا بينهما، فلله الحمد والمنَّة على هدايته وتوفيقه.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وجهمٌ ومَن وافقه من المعتزلة اشتركوا في أن مشيئة الله ومحبَّته ورضاه بمعنىً واحدٍ. ثم قالت المعتزلة: وهو لا يحبُّ الكفر والفسوق والعصيان، فلا يشاؤه. فقالوا: إنه يكون بلا مشيئةٍ. وقالت الجهميَّة: بل هو يشاء ذلك؛ فهو يحبُّه ويرضاه. وأبو الحسن وأكثر أصحابه وافقوا هؤلاء؛ فذكر أبو المعالي الجوينيُّ: أن أبا الحسن أوَّل مَنْ خالف السلف في هذه المسألة، ولم يفرِّق به بين المشيئة والمحبَّة والرضى.
وأما سلف الأمَّة وأئمَّتها وأكابر أهل الفقه والحديث والتصوُّف وكثيرٌ من طوائف النظَّار -كالكُلَّابيَّة والكرَّاميَّة وغيرهم-؛ فيفرِّقون بين هذا وهذا؛ ويقولون: إن الله يحبُّ الإيمان والعمل الصالح ويرضى به؛ كما لا يأمر (^١)، ولا يرضى
_________________
(١) هكذا وردت في المصدر، والذي يظهر أن الصواب الذي يقتضيه السياق -والله أعلم-: «ويرضى به؛ كما يأمر به، ولا يرضى بالكفر …».
[ ١٣٩ ]
بالكفر والفسوق والعصيان ولا يحبُّه؛ كما لا يأمر به، وإن كان قد شاءه» (^١).
قال ابن القيِّم: «أصل ذلك كلِّه هو الفرق بين محبَّة الله ورضاه، ومشيئته وإرادته الكونيَّة. ومنشأ الضلال في هذا الباب من التسوية بينهما، أو اعتقاد تلازمهما، فسوَّى بينهما الجبريَّة والقدريَّة، وقالوا: المشيئة والمحبَّة سواءٌ، أو متلازمان، ثم اختلفوا.
فقالت الجبريَّة: الكون كلُّه -قضاؤه وقدره، طاعته ومعاصيه، خيره وشرُّه-؛ فهو محبوبه. ثم بنوا على ذلك أنهم مأمورون بالرضاء بالقضاء، وهذه قضاءٌ من قضائه، فنحن نرضى بها، فما لنا ولإنكارها ومعاداة فاعلها.
وقالت القدريَّة النفاة: ليست المعاصي محبوبةً لله ولا مرضيَّةً له، فليست مقدَّرةً له ولا مقضيَّةً، فهي خارجةٌ عن مشيئته وخلقه. قالوا: ونحن مأمورون بالرضى بالقضاء، ومأمورون بسخط هذه الأفعال وبغضها وكراهتها، فليست إذًا بقضاء الله، إذ الرضى والقضاء متلازمان، كما أن محبَّته ومشيئته متلازمان، أو متَّحدان.
ومذهب سلف الأمَّة وأئمَّتها أنه مسخوطٌ للربِّ، مكروهٌ له قدرًا وشرعًا، مع أنه وُجِد بمشيئته وقضائه، فإنه يخلق ما يحبُّ وما يكره، فالكفر والشكر واقعان بمشيئته وقدره، وأحدهما محبوبٌ له مرضي، والآخر مبغوضٌ له مسخوطٌ» (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٧٤، ٤٧٥). وانظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٣٥٥).
(٢) باختصارٍ من مدارج السالكين (١/ ٢٦٦ - ٢٦٤).
[ ١٤٠ ]