فإن كان المتكلِّم في القدر عالمًا يتكلَّم بعلمٍ ويستند في كلامه للدليل؛ فكلامه من الكلام الممدوح. وقد دلَّت على ذلك الأدلَّة:
قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١١١).
[ ١٦٧ ]
وقال ﷿: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
وأخذ الله الميثاق على أهل العلم بالبيان وعدم كتمان العلم، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
فخاطب الله العامَّة ومَن لا يعلم بسؤال أهل العلم، وأخذ الله الميثاق على أهل العلم بالبيان وعدم الكتمان. وقد جعل الله الأخذ عن أهل العلم عامًّا في كلِّ بابٍ من أبواب العلم، ولم يخصَّ من ذلك شيئًا دون شيءٍ، فتضمَّن أخذ العلم عنهم في باب القدر وغيره.
قال السعديُّ في تفسير آية النحل: «فإن الله أمر مَنْ لا يعلم بالرجوع إليهم في جميع الحوادث، وفي ضمنه تعديلٌ لأهل العلم وتزكيةٌ لهم؛ حيث أمر بسؤالهم، وأن بذلك يخرج الجاهل من التبعة» (^١).
وأما إن كان المتكلِّم في القدر يخوض فيه بغير علمٍ ولا هدىً من الله، وهو جاهلٌ يستند فيما يقرِّر إلى شبهاتٍ عقليَّةٍ أو أهواءٍ نفسيَّةٍ أو أقيسةٍ منطقيةٍ أو أوهامٍ كلاميَّةٍ أو مناماتٍ صوفيَّةٍ أو غيرها من مسالك أهل الزيغ والضلال؛ فهذا غاية الضلال وعين الانحراف وبريد الإلحاد.
وقد دلَّت الأدلَّة على تحريم الكلام بغير علمٍ، وذمِّ أهله، وبيان زيغهم، وتحريم سماع شبههم، ودفعها عن النفس بكلِّ ما يمكن من الوسائل.
_________________
(١) تفسير السعدي (ص: ٤٤١).
[ ١٦٨ ]
فمما جاء في النهي عن الكلام بغير علمٍ:
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦].
ومما جاء في ذمِّ الخائضين في مسائل الدين بغير علمٍ:
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥].
ومما جاء في النهي عن سماع كلامهم والأمر بالإعراض عنه:
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
وإذا كان هذا الوعيد جاء عامًّا شاملًا لكلِّ متكلِّمٍ في مسائل الشرع بغير حجَّةٍ ولا برهانٍ، فكيف بالكلام والخوض في باب القدر الذي تقدَّم وصفه في كلام الأئمَّة أنه (سرُّ الله تعالى في خلقه، لم يطَّلع على ذلك ملكٌ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مرسلٌ، وأنه لا يُدرَك بجدال، ولا يشفي منه مقالٌ، والحِجاج فيه مرتجةٌ مغلقةٌ)، ووصفوا التعمُّق فيه بأنه (ذريعة الخذلان، وسلَّم الحرمان، ودرجة الطغيان). فهو أولى أن يُنهى عن الخوض فيه؛ إذ الخطأ فيه ليس كالخطأ في غيره. ولذا جاء التشديد في التحذير من الخوض فيه مالم يأت في بابٍ آخر من أبواب العلم، كما تقدَّم في الأدلَّة وكلام سلف الأمَّة.
[ ١٦٩ ]