وهي القول بجبر العبد على فعله، ودعوى أن الفاعل الحقيقيَّ هو الله، وإنما يُضاف الفعل للعبد مجازًا، وأصحابها يسمَّون (بالقدريَّة المثبتة).
وأوَّل من أظهر القول بالجبر: الجهم بن صفوان، وكان الجهم جمع بين ضلالتين، وهما: تعطيل صفات الله تعالى، والقول بالجبر، أي: دعوى أن العبد مجبور على فعله.
قال الشهرستانيُّ -في سياق ذكره لمقالات الجهم-: «منها قوله: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه؛ لأن ذلك يقتضي تشبيهًا، فنفى كونه حيًّا عالمًا، وأثبت كونه قادرًا، فاعلًا، خالقًا؛ لأنه لا يوصف شيءٌ من خلقه بالقدرة، والفعل، والخلق» (^١).
وقال البغداديُّ: «الجهميَّة: أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال وأنكر الاستطاعات كلَّها … وقال: لا فعل ولا عمل لأحدٍ غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز …، وزعم أيضًا أن علم الله تعالى حادثٌ، وامتنع من وصف الله تعالى بأنه شيءٌ أو حيٌّ أو عالمٌ أو مريدٌ، وقال: لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره كشيءٍ وموجودٍ وحيٍّ وعالمٍ ومريدٍ ونحو ذلك، ووصفه بأنه قادرٌ وموجِدٌ وفاعلٌ وخالقٌ ومحيٍ ومميتٌ؛ لأن هذه الأوصاف مختصَّةٌ به وحده» (^٢).
وبهذا يتبيَّن التلازم بين بدعتي التعطيل والقول بالجبر عند الجهم، وأن قوله بالجبر إنما كان لازمًا لقوله بالتعطيل، فإنه أراد أن ينزِّه الله عن مشابهة
_________________
(١) الملل والنحل (١/ ٨٦).
(٢) الفرق بين الفرق (ص: ١٩٩).
[ ٢٦ ]
الخلق، فما أثبته للخلق كالحياة والعلم نفاه عن الله، وما أثبته لله من القدرة والفعل نفاه عن العبد، وبهذا كان الجهم رأسًا في مقالتي: تعطيل الله عن صفاته، والقول بجبر العبد على فعله.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة -في سياق نقله اتِّفاق السلف على إثبات الصفات لله تعالى، وعلى أن العبد فاعلٌ حقيقةً-: «وأوَّل من ظهر عنه إنكار ذلك هو الجهم بن صفوان وأتباعه، فحُكِي عنهم أنهم قالوا: إن العبد مجبورٌ، وأنه
لا فعل له أصلًا، وليس بقادرٍ أصلًا، وكان الجهم غاليًا في تعطيل الصفات، فكان ينفي أن يسمَّى الله تعالى باسمٍ يُسمَّى به العبد، فلا يُسمَّى شيئًا ولا حيًّا ولا عالمًا ولا سميعًا ولا بصيرًا» (^١).
ويذكر المحقِّقون من أهل العلم أن الجهم أخذ هذه المقالات من الجعد ابن درهمٍ، وأن منتهاها يرجع إلى لبيد بن الأعصم اليهوديِّ.
قال الإمام البخاريُّ: «قال قتيبة: بلغني أن جهمًا كان يأخذ الكلام من الجعد ابن درهم» (^٢).
وقال الإمام أحمد: «وأخذه جهمٌ من الجعد بن درهم، وأخذه الجعد من أبان بن سمعان، وأخذه أبان من طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذه طالوت من لبيد بن الأعصم اليهوديِّ الذي سحر النبيَّ ﷺ» (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «فإن أوَّل من حُفِظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام: الجعد بن درهمٍ، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها، فنُسِبت
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٠).
(٢) خلق أفعال العباد (ص: ٢٩).
(٣) العلل ومعرفة الرجال (١/ ٦٨).
[ ٢٧ ]
مقالة الجهميَّة إليه.
وقيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت عن لبيد بن الأعصم اليهوديِّ الذي سحر النبيَّ ﷺ» (^١).
فتبيَّن بهذا أن منشأ هذه البدعة في الإسلام يرجع إلى لبيد بن الأعصم اليهوديِّ الساحر الذي سحر النبيَّ ﷺ، وكان لبيدٌ يقول بخلق التوراة.
ثم أخذها عنه ابن أخته طالوت، وهو أوَّل من صنَّف في ذلك، وكان زنديقًا، فأفشى الزندقة (^٢).
ثم أخذها عنه أبان بن سمعان، وهو الذي أثَّر في الجعد بن درهمٍ.
فتلقَّف الجعد هذه المقالة منه، وهو أوَّل من أحدث مقالة التعطيل في الأمَّة، فزعم بأن الله ما اتَّخذ إبراهيم خليلًا، ولا كلَّم موسى، وأن ذلك لا يجوز على الله. وللجعد أخبارٌ كثيرةٌ في الزندقة (^٣). وأصل الجعد من خراسان، ويُقال: إنه من موالي بني مروان (^٤)، ثم أقام بدمشق، وذلك في أيَّام هشام بن عبد الملك، فطلبه هشامٌ، ثم هرب فسكن الكوفة، فلقيه بها الجهم بن صفوان، فتقلَّد هذا القول عنه، فكتب هشامٌ إلى نائبه خالد بن عبد الله القسريِّ أن يقتله، ثم قتله خالد بن عبد الله القسريُّ يوم عيد الأضحى بالكوفة، وذلك أن خالدًا خطب الناس، فقال في خطبته تلك: «أيُّها الناس، ضحُّوا تقبَّل الله
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (١/ ٥٨).
(٢) الكامل في التاريخ (٦/ ١٤٩).
(٣) انظر: لسان الميزان (٢/ ٤٣٧).
(٤) البداية والنهاية (٩/ ٣٥٠).
[ ٢٨ ]
ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهمٍ، إنه زعم أن الله لم يتَّخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلِّم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًّا كبيرًا». ثم نزل فذبحه في أصل المنبر بيده (^١).
ثم تبنَّى مذهبه الجهم، فأظهره وأشهره وناظر في نصرته حتى عُرِف به ونُسِب إليه، إلى أن قتله سلم بن أحوز أمير خراسان بها في سنة ١٢٨ هـ، ولكن بعد أن فشت مقالته (^٢).
ثم انتشرت مقالة الجبر في الناس عن طريق الجهميَّة، فتأثر بها بعض مثبتة القدر في الجملة الذين كانوا يردُّون على المعتزلة مقالتهم في نفي القدر، ومنهم الأشعريَّة الذين وافقوا الجهميَّة في أصل مقالتهم في الجبر، وإن خالفوهم في بعض تفاصيلها، كما سيأتي.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «فإن الأشعريَّة وبعض المثبتين للقدر وافقوا الجهم بن صفوان في أصل قوله في الجبر، وإن نازعوه في بعض ذلك نزاعًا لفظيًّا؛ أتوا بما لا يُعقَل» (^٣).
فنتج عن هذا -وبعد تبنِّي الأشعريَّة مقالة الجبر- أن انقسم الجبريَّة إلى قسمين:
القسم الأوَّل: (جبريَّةٌ غاليةٌ -ويُقال: خالصةٌ-، وهم الجهميَّة ومن وافقهم)؛ ينفون عن العبد الفعل والقدرة والكسب، فيزعمون أنه ليس للعبد فعلٌ ولا قدرةٌ، وإنما الفاعل القادر هو الله، وليس للعبد كسبٌ يستحقُّ عليه ثوابًا أو عقابًا،
_________________
(١) البداية والنهاية (٩/ ٣٥٠).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٦٧) البداية والنهاية (٩/ ٣٥٠).
(٣) منهاج السنة (١/ ٤٦٣)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٢٨).
[ ٢٩ ]
وإنما النعيم والعذاب هما محض فعل الربِّ، ينعم على من يشاء وإن كان عاصيًا، ويعذِّب من يشاء وإن كان مطيعًا (^١).
القسم الثاني: (جبريَّة متوسِّطةٌ، وهم الأشعريَّة)، ينفون عن العبد الفعل، ويثبتون له قدرةً غير مؤثِّرةٍ، وكسبًا، ويقولون: إن الفاعل حقيقةً هو الله، والعبد ليس بفاعلٍ، وإنما هو كاسبٌ، وإضافة الفعل للعبد مجازٌ لا على الحقيقة (^٢).
_________________
(١) انظر: الملل والنحل (١/ ٨٥)، النبوات (١/ ٤٦٢)، ومنهاج السنة (١/ ١٢٦)، والعواصم والقواصم (٧/ ٦)، ولوامع الأنوار (١/ ٣٥٣).
(٢) انظر: الملل والنحل (١/ ٨٥)، والتعريفات للجرجاني (ص: ٧٤)، الصفدية (١/ ١٥٢)، ولوامع الأنوار (١/ ٣٥٣).
[ ٣٠ ]
الفصل الأوَّل