وذلك أن الكلام في القدر يُمدَح إذا كان من عالمٍ يجلس للناس ليبيِّن لهم ما شُرِع لهم في هذا الباب على وجه التعليم والتدريس والشرح والبيان، على وفق هدي النبيِّ ﷺ وسلف الأمَّة في تعليم الأمَّة وإرشادها.
وإن كان الكلام في القدر على طريقة الخصومات والجدل، والمعارضة بين النصوص؛ فإنه منهيٌّ عنه ومحرَّمٌ؛ لما تقدَّم من حديث عمرو بن شُعيبٍ،
_________________
(١) تفسير البغوي (١/ ٣٠٩).
(٢) أخرجه ابن بطة (٤/ ٣١٣).
(٣) أخرجه ابن بطة (٤/ ٣١٠).
(٤) شرح الطحاوية (ص: ٢٢٥).
[ ١٧١ ]
عن أبيه، عن جدِّه، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، وهم يختصمون في القدر، فكأنما يُفقأ في وجهه حبُّ الرمَّان من الغضب، فقال: «بهذا أمرتم؟ -أو لهذا خلقتم؟ - تضربون القرآن بعضه ببعضٍ، بهذا هلكت الأمم قبلكم» (^١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ، ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمرَّ وجهه، حتى كأنما فُقئ في وجنتيه الرمَّان، فقال: «أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أُرسِلت إليكم؟ إنما هلك مَنْ كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه» (^٢).
وأخرج ابن بطَّة، عن ابن أبزى قال: «بلغ عمر أن ناسًا تكلَّموا في القدر، فقام خطيبًا، وقال: يا أيُّها الناس، إنما هلك مَنْ كان قبلكم في القدر، والذي نفسي بيده لا أسمع برجلين تكلَّما فيه إلا ضربت أعناقهما. قال: فأمسك الناس، حتى نبغت نابغةٌ أو نبغة الشام» (^٣).
وبهذا التوجيه من النبي ﷺ والفاروق من بعده أخذ الصحابة ﵃، فلم يُعرَف بعدها أنهم تكلَّموا في القدر على الوجه المنهيِّ عنه، فعصمهم
الله بهذا من فتنة الخوض في القدر والإحداث فيه. وإنما وقع البلاء في الأمَّة والإحداث في القدر في أواخر عصر الصحابة ﵃، زمن خلافة عبد الملك ابن مروان (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٨٥). وقال الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (١/ ١٥٧): «حسن صحيح». صحيح سنن ابن ماجه.
(٢) أخرجه الترمذي (٢١٣٣). وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٥/ ١٣٣).
(٣) أخرجه ابن بطة (٤/ ٣١٠).
(٤) منهاج السنة (٦/ ٢٣١)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٣٦).
[ ١٧٢ ]
وكان أوَّل ما ظهرت مقالة القدريَّة في البصرة على يد معبد الجهنيِّ، فأنكرها مَنْ أدركها من الصحابة ﵃. فعصم الله باتِّباع السنَّة والاقتداء بالصحابة الكرام وسلف الأمَّة الأخيار أهلَ السنَّة من الخوض والابتداع في القدر، وتهالك فيه مَنْ حاد عن السنَّة من أهل والضلال والبدع.
وبهذا يتبيَّن الضابط الصحيح لما يُشرَع من الكلام في القدر مما يُنهى عنه من الخوض المحرَّم.
فلله الحمد والمنَّة على مزيد نعمه وسوابغ فضله وكرمه.
[ ١٧٣ ]