الأوَّل: أنهم جعلوا الظلم الذي يتنزَّه الله عنه هو الظلم الذي يكون من الآدميِّين بعضهم لبعضٍ، فشبَّهوا أفعاله بأفعال العباد، فجعلوا يوجبون على الله سبحانه ما يوجبون على العبد، ويحرِّمون عليه من جنس ما يحرِّمون على العبد، ويُسمُّون ذلك (العدل والحكمة)، مع قصور عقولهم عن معرفة حكمته وعدله (^١).
والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١]، وقال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
الثاني: أنهم زعموا أن خلق الله لأفعال العباد، وإرادته لأعمالهم، وتعذيبه للعاصي؛ ظلمٌ منه يتنزَّه عنه. والله تعالى أثبت ذلك لنفسه، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]. فأثبت الله لنفسه خلق أعمال العباد، وأثبت أن مشيئتهم لا تنفذ إلا بمشيئته. وأخبر عن ثوابه لهم على الطاعات وعقابه لهم على السيِّئات، ثم نفى عن نفسه الظلم في ثوابهم وعقابهم.
وهؤلاء المعتزلة نفوا عن الله ما أثبت لنفسه وسمَّوه ظلمًا، وأثبتوا لله ما نفاه عن نفسه وسمَّوه عدلًا.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٩١).
[ ١٢٧ ]
الثالث: أنهم ينسبون إلى الله الظلم فيما ادَّعوه من تخليد العصاة الموحِّدين في نار جهنَّم، ويُسمُّونه عدلًا. وينفون عنه رحمته بعباده وعفوَه عنهم، ويسمُّونه ظلمًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وجمهور هؤلاء الذين يُسمُّون أنفسهم (عدليَّة) يقولون: مَنْ فعل كبيرةً واحدةً أُحبِطت جميع حسناته وخُلِّد في نار جهنَّم. فهذا الذي سمَّاه الله ورسوله ظلمًا يصفون الله به، مع دعواهم تنزيهه عن الظلم، ويُسمُّون تخصيصه مَنْ يشاء برحمته وفضله وخَلقِهِ ما خلقه لما له فيه من الحكمة البالغة ظلمًا» (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٩٢) مجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ١٢٢).
[ ١٢٨ ]