وقد كانت عامَّةُ أهلِ المَغرِبِ في القرنِ الثالثِ والرابعِ على مذهبِ مالكٍ في الأصولِ والفروعِ، في الاعتقادِ والفقهِ، وقد شاع مذهَبُ مالكٍ في المَغرِبِ في حياتِه، وكان أقرَبُ الناسِ إلى مذهبِهِ وأصولِهِ أقرَبَهم منه زمانًا ومكانًا، وأقرَبُ أهلِ المغرِبِ إلى أصولِهِ وفروعِهِ أقرَبَهم إليه زمانًا، وقد كان أصحابُ مالكٍ مِن المَغارِبةِ على طائفتَيْن:
* الطائفةُ الأولى: المتقدِّمونَ ممن سَمِعَ مالكًا وأخَذَ عنه، ومَن انتهَجَ نَهْجَهم؛ كعبدِ اللهِ بنِ فَرُّوخٍ الفارسيِّ القَيْرَوانيِّ، وقد كان مالكٌ يُجِلُّهُ ويعظِّمه، وقيل: "إنه كان يسمِّيهِ فقيهَ أهلِ المَغرِب" (٢).
_________________
(١) مطبوع بتحقيق: رضوان بن صالح الحصري.
(٢) "رياض النفوس" (١/ ١٧٧).
[ ٤٠ ]
وكبُهْلُولِ بنِ راشدٍ القَيْرَوانيِّ، وأبي الحسَنِ عليِّ بنِ زيادٍ التُّونُسِيِّ،
وقد قال أبو سعيدِ بنُ يُونُسَ: "إنه أوَّلُ مَن أدخَلَ "الموطَّأَ" و"جامِعَ سُفْيانَ" المغرِبَ" (١)، وفسَّر لهم قولَ مالكٍ، ولم يكونوا يَعرِفُونَهُ، وكان قد دخَلَ الحجازَ والعراقَ في طلَبِ العلم، وهو معلِّمُ سُحْنُونٍ الفقهَ.
وكان سحنونٌ لا يقدِّمُ عليه أحدًا مِن أهلِ إفريقيَّة، ويقولُ: "وما أنجَبَتْ إفريقيَّةُ مثلَ عليِّ بن زيادٍ" (٢)، وقد فضَّله على المصريِّين.
ومِن هذه الطَّبَقةِ: عبدُ اللهِ بن غانِمٍ الإفريقيُّ القَيْرَوانيُّ، وكان مالكٌ يُحِبُّهُ ويُجِلُّهُ، وإذا التقاه، اشتغَلَ به عن أصحابِه؛ حتى قيل: "إنَّه عرَضَ عليه ابنَتَهُ، ويقيمُ عندَهُ"، فأبى (٣)، وكان أصحابُ مالكٍ إذا رأَوْهُ، قالوا: "شغَلَهُ المَغرِبيُّ عنا" (٤)، ولمَّا وَليَ قضاءَ المغربِ، أعلَمَ مالكٌ بذلك أصحابَهُ، وسُرَّ به، وكان مالكٌ يكاتِبُهُ وهو في القَيْرَوانِ؛ كما جاء في "المدوَّنة" (٥).
ومنهم: أبو محمَّدٍ الغازي بن قيسٍ الأُمَويُّ القرطبيُّ، وصِقْلابُ بن زيادٍ الهَمْدانيُّ القَيْرَوانيُّ، وأبو جعفرٍ موسى بن معاوِيةَ الصُّمَادِحِيُّ، وأسَدُ بن الفُرَاتِ الحَرَّانيُّ القَيْرَوانيُّ قاضي القيروانِ، وعيسى بنُ دِينَارٍ القرطبيُّ، وعبَّاسُ بن أبي الوليدِ الفارسيُّ التونسيُّ، وأبو مسعودِ بنُ أَشْرَسَ التونسيُّ، وأبو خارجةَ عَنْبَسةُ بن خارجةَ الغافقيُّ، وأحمدُ بن أبي مُحرِزٍ، وعبدُ اللهِ بن أبي حسَّانَ اليَحْصَبيُّ، ويحيى بن يحيى اللَّيْثيُّ الأندَلُسيُّ، وأبو عبد اللهِ زيادُ بن عبد الرحمنِ القرطبيُّ، وأبو عبد اللهِ محمَّدُ بن سعيدِ بنِ بَشِيرِ بنِ شَرَاحِيلَ.
_________________
(١) "رياض النفوس" (١/ ٢٣٤).
(٢) "رياض النفوس" (١/ ٢٣٥).
(٣) "رياض النفوس" (١/ ٢١٧).
(٤) "ترتيب المدارك" (٣/ ٦٦).
(٥) "المدونة" (٢/ ٥٩٥).
[ ٤١ ]
وهؤلاءِ كلُّهم سَمِعُوا مِن مالكِ بنِ أنسٍ، ونقَلُوا قولَهُ إلى المغرِب، يَرْوُونَ عن مالكٍ السُّنَّةَ والأثَرَ والفقه، وكانوا يَكرَهُونَ الكلامَ ومعارَضةَ السُّنَّةِ بالرأيِ، وأصولُهم أصولُ مالك، وفروعُهم فروعُه، وكانوا في العقائدِ يَجرُونَ على أصلٍ وفرعٍ واحدٍ، ولم يكنْ بينهم فيه نزاعٌ، وإنما اختلافُهم في الفروع، وَيدُلُّ على ذلك: أنَّهم لا يكتُبُونَ في العقائدِ إلا تَبَعًا؛ لاستقرارِ الأمرِ على الأمرِ الأوَّل.
ولمَّا بلَغَ أسدَ بنَ الفُرَاتِ قاضيَ القَيْرَوانِ: أنَّ بِشْرًا المَرِيسِيَّ كتَبَ كتابَهُ "التوحيد"، قال: "أَوَجَهِلَ الناسُ التوحيدَ حتى يضعَ لهم بِشْرٌ فيه كتابًا؛ هذه نُبُوَّةٌ ادَّعاها" (١).
وكانوا يَعرِفُونَ مصدرَ البِدَعِ الشرقيَّةِ وأصولَها، وقد كان ابنُ أبي حَسَّانَ صاحبُ مالكٍ قال فيمن يفاضِلُ بين أبي بكرٍ وعُمَرَ: "ليس هذا دِينَ قريشٍ، ولا دِينَ العرَبِ؛ هذا دِينُ أَهْلِ قُمّ" (٢).