وأفعالُ العبادِ مخلوقةٌ كذواتِهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، وأفعالُهم شيءٌ، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، ولكنَّ ذَوَاتِهم خُلِقَتْ بلا اختيارٍ منهم، وأمَّا أفعالُهم، فخُلِقَتْ باختيارِهم، والقرآنُ مليءٌ بالدَّلَالةِ على ذلك، وتلك الآياتُ الدالَّةُ على خلقِ أفعالِ العباد، هي أثقَلُ الآياتِ على المعتزِلة؛ حتى كتَبَ القاضي عبدُ الجبَّارِ كتابَيْنِ؛ تعسُّفًا وتكلُّفًا في تأويلِها وتحريفِها (٥).
_________________
(١) البخاري (٤٩٤٩)، ومسلم (٢٦٤٧) من حديث علي.
(٢) الترمذي (٢١٣٣) من حديث أبي هريرة.
(٣) الطبراني في "الكبير" (١٠/ ١٩٨ رقم ١٠٤٤٨) من حديث ابن مسعود؛ مرفوعًا.
(٤) "التمهيد" (٣/ ١٣٩ و٦/ ١٣ - ١٤).
(٥) انظر: "شرح الأصول الخمسة" (ص ٣٢٣)، و"المغني في أبواب العدل" (٨/ ٣).
[ ١٦٢ ]
ولم يكنِ السلفُ وأئمَّةُ الصَّدْرِ الأوَّلِ يَشُكُّونَ في خلقِ أفعالِ العباد، حتى قيل بنفيِ القدَرِ؛ فتَبِعَهُ القولُ بخلقِ العبادِ لأفعالِهم، وقد قال رسولُ الله -ﷺ-: (إِنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتَهُ) (١)، وقال حُذَيْفةُ: "إِنَّ الله خَلَقَ صَانِعَ الْخَزَمِ وَصَنْعَتَهُ" (٢).
وقد نشَأَ القولُ بنفيِ القدَرِ في المشرِقِ، ولم يكن معروفًا في المغرِبِ، حتى انتقَلَتْ أقوالُ المعتزِلةِ إلى المغرِبِ، وكان الأئمَّةُ يُنكِرُونَهُ على مَن أظهَرَهُ فيهم، وقد كان محمَّدُ بن سُحْنُونٍ يقولُ في رَدِّ قولِ بعضِ أهلِ الاعتزالِ: "الإقرارُ غيرُ مخلوقٍ، وما سوى ذلك مِن الأعمالِ مخلوقة" (٣).
وجعَلَ الله للمكلَّفِينَ مشيئةً يختارونَ بها الخيرَ والشرَّ، ثُمَّ يُحاسِبُهم على ما اختارُوه، فإذا ارتفَعَ الاختيارُ منهم، ارتفَعَ التكليفُ عليهم؛ كالفَرْقِ بين القائِمِ والنائِم، والعاقِلِ والمجنون، والعامِدِ والمخطِئ، والذاكِرِ والناسي، والعالِمِ والجاهِل؛ فهؤلاءِ قد يتساوَى تصرُّفهم في الظاهِرِ بالذنبِ بفعلِ المحظور، وتركِ المأمور؛ فيُحاسَبُ الأوَّلُ، ولا يُحاسَبُ الثاني؛ لأنَّ الاختيارَ في الأوَّلِ وُجِدَ، وفي الثاني فُقِدَ؛ فتَبِعَهُ الحسابُ والعقابُ، وجودًا وعدَمًا.