ولم يكنِ الناسُ في المغرِبِ أهلَ جَدَلٍ، بل أهلَ سُنَّةٍ وأثَر، حتى في المغربِ الأقصى الأَندَلُسِ، وكما قال الباجيُّ: "كانوا عن سَنَنِ المُجادِلةِ عادِلِين" (٢)، وقِلَّةُ الجدَلِ في متقدِّمي أهلِ المغرِبِ لا تعني عدَمَهُ فيهم؛ فلابنِ سُحْنُونٍ كتابٌ في "أدَبِ المتناظِرين"، وكانوا على معتقَدِ السلَفِ، فنُقِلَ إليهم اعتقادُ مالكٍ، كما نُقِلَ إليهم فِقْهُه، ونُقِلَ إليهم اعتقادُ أحمدَ بنِ حنبلٍ؛ فقد أدخَلَهُ المغرِبَ الأقصى والأدنى: أَسْلَمُ بن عبد العزيزِ قاضي قضاةِ الأَنْدَلُسِ، وقد ارتحَلَ ولَقِيَ أصحابَ أحمَدَ، وأصحابَ الشافعيِّ؛ كالمُزَنيِّ، والرَّبِيعِ، ويونسَ بنِ عبد الأعلى، وغيرهم، كما أسنَدَ عقيدةَ أحمدَ بنِ حنبلٍ بروايةِ أسلَمَ وسنَدِهِ: محمَّدُ بن الحارثِ الخُشَنيُّ القَيْرَوانيُّ في كتابِهِ: "أخبارِ الفُقَهاءِ والمحدِّثينَ بالأَندَلُس"، وفيها عقيدتُهُ بصفاتِ اللهِ؛ كالاستواءِ، وكلامِ الله، وعلوِّهِ، ومَعِيَّتِه، ومسائلِ الإيمانِ والبعثِ، وابنُ الحارِثِ ناقلُ عقيدةِ ابنِ حنبلٍ تلك، هو شيخُ ابنِ أبي زَيْدٍ القَيْرَوانيِّ.
والاعتزالُ لم يكنْ منتشِرًا في المغرِبِ في القرنِ الثاني والثالثِ والرابعِ لدى العلماءِ؛ يَعقِدُونَ له المجالسَ، ويصنِّفُونَ فيه الكتبَ؛ فلم
_________________
(١) "دلالة الحائرين" (ص ١٨٢).
(٢) "المنهاج" (ص ٧).
[ ٢٦ ]
يَتَبَنَّهُ عالمٌ معتَبَرٌ، ولا رأسٌ في الشريعة؛ وهذا في المغربِ عامَّةً الأقصى والأدنى، وخاصَّةً مِن المالكيَّةِ أتباعِ مالكٍ، حتى قيلَ: "إنَّه لا يُوجَدُ مالكيٌّ معتزليٌّ إلا أبا إسحاقَ إبراهيمَ الغافقيَّ"؛ كما قاله أبو العبَّاسِ أحمَدُ المَقَّرِيُّ في "النَّفْح" (١).
وقد قال ابنُ حَزْمٍ في "رسائلِهِ" (٢): "وأمَّا علمُ الكلامِ: فإنَّ بلادَنا وإنْ كانت لم تَتجاذَبْ فيها الخصوم، ولا اختَلَفَتْ فيها النِّحَل، فقَلَّ لذلك تصرُّفُهم في هذا البابِ؛ فهي على كلِّ حالٍ غيرُ عريَّةٍ عنه، وقد كان فيهم قومٌ يَذهَبُونَ إلى الاعتزال".
وبنحوِهِ قال ابنُ جُبَيْرٍ صاحبُ "الرِّحْلة" (٣): أنَّ المغرِبَ على جادَّةٍ واضحة، لا بُنيَّاتِ لها، وليس فيه ما في الجهاتِ الشرقيَّةِ مِن أهواءٍ وبِدَعْ، وفرقٍ ضالَّةٍ وشِيَعْ.