ولم يَجعَلِ اللهُ لأحدٍ خيارًا غيرَ الإسلامِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
وأمَّا حُرِّيَّةُ الدِّينِ: فاللهُ تعالى كما أنه أمَرَ الناسَ كافَّةً باتباعِ نبيِّه -ﷺ-، وعدَمِ الخروجِ عنه، إلَّا أنه خَصَّ أهلَ الكتابِ اليهودَ والنصارَى بعدَمِ القتالِ على الدخولِ في الإسلامِ؛ وإنَّما خيَّرهم عند قُدْرةِ المسلِمِينَ وقُوَّتِهم عليهم: بين الإسلام، أو الجِزْيةِ، أو القتال، وتجوزُ المهادَنةُ والموادَعةُ والمسالَمةُ -بينهم وغيرِهم مِن المشرِكِينَ، وبين المسلِمِينَ- بشروطِها المعروفة؛ كما بَيَّنْتُها في "التفسير" (١).
ومَن دخَلَ الإسلامَ مِن أيِّ مِلَّةٍ كانت، فلا يَسَعُهُ الخروجُ مِن الإسلامِ بحالٍ، ولا يأخُذُ أحكامَهُ السابِقةَ قبلَ دخولِ الإسلامِ لو كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، ويجبُ على إمامِ المسلِمِينَ إقامةُ حَدِّ الرِّدَّةِ عليه، وقد استفاضت في ذلك الأحاديثُ، وبه قضَى معاذٌ وأبو موسى في اليمَنِ؛
_________________
(١) سورة البقرة آية (٢٠٨)، وسورة التوبة آية (٢٩)، ومواضع من سورة الأنفال.
[ ١٨١ ]
فيمن ارتَدَّ مِن اليهودِ (١)، وفيه قال -ﷺ-: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ، فَاقْتُلُوهُ) (٢)، وقد قاتَلَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ والصحابةُ المرتدِّين.
ومَن كان له شَوْكةٌ وقُوَّةٌ مِن المرتدِّينَ، ولا قِبَلَ للمسلِمِينَ به، فتجوزُ مهادَنتُهُ ومسالَمَتُهُ لمصلحَتِهِمْ، وحفاظًا على شَوْكَتِهم؛ كما كانت طوائفُ مِن الفِرَقِ تقيمُ بين المسلِمِينَ وهي واقعةٌ في مكفّراتٍ كثيرةٍ، وكان المسلِمُونَ يترُكُونَهُمْ ويُهادِنُونَهُمْ، وربَّما عامَلُوهم عند الحاجة؛ وذلك لكثرةِ الطوائفِ وانشغالِ المسلِمينَ بأمورِ جَمَاعَتِهم، وربَّما بعدوٍّ مِن خارِجِهم يَخشَوْنَ تربُّصَهُ بهم.