* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ الْحَكِيمْ، وشَرَحَ بِهِ دِينَهُ القَوِيمْ، وَهَدَى بِهِ الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمْ):
الإيمانُ بالكتُبِ السماوَيَّةِ مِن أركانِ الإيمان؛ فيجبُ الإيمانُ بها جميعِها؛ كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦].
والمكذِّبُ بواحدٍ منها مكذِّبٌ بها جميعِها؛ لأنَّها جميعًا كلامُ الله وخبَرُهُ، وحُكْمُهُ وتشريعُه، وقد وصَفَ اللهُ الكافِرَ بها بالضلالِ البعيد؛ كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦].
وكلُّ الكتُبِ تدعو إلى أصلٍ واحدٍ؛ وهو توحيدُ الله، وإفرادُهُ بالعبوديَّة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقد قال اللهُ عن القرآنِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].
والإيمانُ بالكتُبِ لا يَلزَمُ منه الاختيارُ مِن شرائعِها ما يشاءُ الناسُ؛
[ ١٨٥ ]
فإنَّ هذا لا يجوزُ في شريعةِ محمَّدٍ -ﷺ-، وهو خاتِمُ الأنبياءِ والمرسَلِين؛ فإنَّ في شريعتِهِ الناسخَ، وفيها المنسوخ؛ فلا يجوزُ العمَلُ بالمنسوخِ؛ فالإيمانُ بالكتابِ وتعظيمُهُ شيءٌ، والعمَلُ به شيءٌ آخَر، والقرآنُ نسَخَ ما قبلَهُ مِن تشريعاتِ الكتُبِ السابِقة؛ فالقرآنُ قاضٍ على شرائعِ ما سبَقَ، وحاكِمٌ عليها؛ كما قال تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].
* * *
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَشَرَحَ بِهِ دِينَهُ القَوِيمْ، وَهَدَى بِهِ الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمْ):
بيانٌ لمنزِلةِ القرآنِ والحِكْمةِ منه؛ فقد جعَلَهُ الله حُجَّةً على عبادِه؛ فجعَلَهُ بيِّنًا محكَمًا، واضِحًا مفصَّلًا؛ كلُّ مَن أراد الحقَّ فيه، وجَدَهُ، ومَن في قلبِهِ زَيْغٌ، زاغ، وأمَّا القرآنُ، فكلُّهُ حقٌّ؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].