والحقُّ: أنْ تُؤخَذَ مسائلُ الصفاتِ والغيبيَّاتِ على ظاهِرِها الذي يليقُ باللهِ وحدَهُ، ويُترَكَ ما سواه، وكثيرٌ مِن الأئمَّةِ خاض وسبَحَ ذهنُهُ في بحورِ الخيالِ، وانتهى إلى التسليمِ بالفِطْرةِ، وأخذِ النصِّ على ظاهرِهِ اللائقِ بالخالقِ لا بالمخلوقِ، والإمساكِ عن غيرِه؛ وهذا لا يَحتاجُ إلى كبيرِ عقل؛ فالدِّينُ لم يُنزِلْهُ اللهُ للأذكياءْ بل أنزلَهُ اللهُ للأَسْوِيَاءْ؛ فكلُّ مكلَّفٍ قادِرٌ على تكميلِ معتقَدِهِ بما يَرِدُ عليه مِن النصوص.
وقد قال هذا وأقَرَّ به أئمَّةُ أهلِ الكلامِ في نهايةِ طَوَافِهم في المعقولاتِ الكلاميَّة؛ كما قال المتكلِّمُ الوليدُ بن أَبَانَ الكَرَابيسيُّ لما حضَرَتْهُ الوفاةُ لبنيه: "هل تَعلَمُونَ أحدًا أعلَمَ بالكلامِ منِّي؟ قالوا: لا، قال: فتَتَّهِمُوني؟ قالوا: لا، قال: فإنِّي أُوصِيكُم بما عليه أصحابُ الحديثِ؛ فإنِّي رأيتُ الحقِّ معهم" (٢)، وقال أبو المَعَالِي الجُوَيْنيُّ: "أموتُ على ما يموتُ عليه عجائزُ نَيْسَابُور" (٣)، ويقولُ أبو الوفاءِ بنُ
_________________
(١) "أحاديث في ذم الكلام" (ص ٩٧ - ٩٨).
(٢) "الحجة في بيان المحجة" (١/ ٢٢٥ - ٢٢٦).
(٣) "طبقات الشافعية الكبرى" (٥/ ١٩١).
[ ٥٩ ]
عَقِيلٍ: "عُدتُّ القَهْقَرَى إلى مذهَبِ المَكْتَبِ" (١)، ويقول الشَّهْرَسْتانيُّ: "عليكم بِدِينِ العَجَائِز" (٢)، ويقولُ الفخرُ الرازيُّ: "لقد اختَبَرْتُ الطُّرُقَ الكلاميَّة، والمناهجَ الفلسفيَّة، والعلومَ المختلِفةَ؛ فما رأيتُ فيها فائدةً تساوي الفائدةَ التي وَجَدتُّها في القرآنِ العظيمِ؛ لأنه يَسعَى إلى تسليمِ العَظَمةِ والجَلَالِ بالكليَّةِ للهِ تعالى، ويَمنَعُ مِن التمعُّنِ في إيرادِ المعارَضاتِ والمناقَضات" (٣).
وقد روى الشاطبيُّ في كتابه "الإفادات والإنشادات" (٤) بإسنادِهِ إلى الرازيِّ، أبياتًا بيَّن فيها حَسْرَتَهُ ووَحْشَتَهُ مِن مباحثِهِ العقليَّة.