والمتكلِّمونُ يُحاوِلُونَ التعرُّفَ على اللهِ مِن غيرِ طريقِ الله، وما دلَّل اللهُ على نفسِهِ به، ومِن أظهَرِ فسادِ تلك العلومِ الكلاميَّةِ: أنَّ العلمَ الصحيحَ يُورِثُ خشيةً لله؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، ولا يكادُ داخلٌ في علمِ الكلامِ لِيتعرَّفَ على الله به، إلا ضَعُفَتْ خشيةُ اللهِ في قَلْبِه، ورَقَّ دِينُه؛ لأنه بعلمِ الكلامِ عرَفَ شيئًا غيرَ الله، فلو عرَفَ الله، لازداد له خَشْيةً لا وحشة.
والفلاسفةُ كلَّما تعمَّقوا في الفلسفة، ازدادوا حزنًا وحَيْرة، لا طمأنينةً ويقينًا؛ يَبدَأُ الداخلُ في الفلسفةِ وعلمِ الكلامِ بِنَشْوة، ثم ينتهي بحَيْرة؛ كما كان يقول أرسطوطاليس: "لماذا كلَّما تجاوَزْنا المستوى المتوسِّطَ في الفلسفة، تملَّكَتْنا الأحزان، ولازَمَتْنا الأمراض".
_________________
(١) "ذيل طبقات الحنابلة" (١/ ٣٣٧).
(٢) "نهاية الإقدام" (ص ٧).
(٣) "طبقات الشافعية الكبرى" (٨/ ٩١).
(٤) "الإفادات والإنشادات" (ص ٨٤ - ٨٥).
[ ٦٠ ]