والقَدَرُ: مِن أسرارِ الله التي لا يجوزُ الخوضُ فيها بغيرِ ما ورَدَ في الشرعِ؛ فلا مجالَ للعقلِ أن يَصِلَ إلى غايتِهِ ونتيجتِهِ التي ينتهي إليها، والعقولُ إنما تَبحَثُ في مُمكِناتِ الإدراكِ العقليِّ، لا في مُحالَاتِه، فبَحْثُها في محالاتِهِ ليس لها؛ فالله نهى عن الخوضِ في كلِّ ما لا سبيلَ لإدراكِه، ولا العلمِ به؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].
_________________
(١) "القدر" للفريابي (٣٤٨)، و"شرح أصول الاعتقاد" (١٣٩٨).
[ ١٦١ ]
والنهيُ عن بحثِ غيبِ القدَرِ إنما هو لعجزِ العقلِ عن إدراكِه، لا لكونِهِ في ذاتِهِ لا يُدرَكُ؛ فاللهُ يَعلَمُهُ؛ لأنه مقدِّرُهُ، وقادرٌ سبحانه أن يَجعَلَ مَن شاء مِن خلقِهِ مُدرِكًا له، ولكنَّه جعَلَ ذلك في دِينِهِ سِرًّا يُؤمَنُ بِهِ، ولا يُبحَثُ عنه.
ولهذا جاء الوحيُ بالإيمانِ بالقدَرِ فقطْ، وجاء في الأدلَّةِ ما يقتضي الإمساكَ، بل ويأمُرُ به؛ فقد كان النبيُّ -ﷺ- يُسأَلُ عن العمَلِ والقضاءِ، فيقولُ: (اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ) (١)، وقد دخَلَ على أصحابِهِ وهم يَتنازَعُونَ في القدَر، فاحمَرَّ وجهُهُ، وقال: (أَبِهَذَا أْمِرْتُمْ؟ ! أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟ ! إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأَمْرِ) (٢)، ويُروَى عن ابن مسعودٍ: "إِذَا ذُكِرَ القَدَرُ، فَأمْسِكُوا" (٣)، وهو كما قال ابن عبد البَرِّ: "لا يُدرَكُ بجِدَالْ، ولا يَشفِي منه مَقَالْ" (٤).