* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَهِيَ الَّتِي أَهْبَطَ مِنْهَا آدَمَ نَبِيَّهُ وَخَلِيفَتَهُ إِلَى أَرْضِهْ، بِمَا سَبَقَ فِي سَابِقِ عِلْمِهْ، وَخَلَقَ النَّارَ فَأَعَدَّهَا دَارَ خُلُودٍ لِمَنْ كَفَرَ بِهْ، وَأَلْحَدَ فِي آيَاتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهْ، وَجَعَلَهُمْ مَحْجُوبِينَ عَنْ رُؤَيَتِهْ):
ذكَرَ اللهُ الجَنَّةَ التي أدخَلَها آدَمَ وزوجَهُ، ولم يقيِّدْ: ﴿قُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥].
والأصلُ: كونُها جَنَّةَ الخُلْدِ التي يَؤُولُ إليها أمرُ المؤمِنِينَ جميعًا، وقد كان آدمُ وحَوَّاءُ -ومعهم عَدُوُّهم إبليسُ- في جَنَّةِ السماءِ؛ ولهذا أهبَطَهم اللهُ إلى الأرضِ؛ فقال: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، وقال: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، وقد ثبَتَ في "الصحيح": أنَّ آدَمَ تُطلَبُ منه الشفاعةُ في الموقفِ يومَ القيامةِ، فيَعتذِرُ منها، ثم يقولُ: (وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدمَ؟ !) (٣)؛ فدَلَّ على أنَّ الجنةَ التي خرَجَ منها هي التي سيَعُودُونَ إليها.
_________________
(١) "الجامع" (ص ١٠٩).
(٢) "الجامع" (ص ١٢٣ - ١٢٤).
(٣) مسلم (١٩٥).
[ ٢٠٣ ]
وقد جاء ذِكْرُ الجَنَّةِ التي دخَلَها آدَمُ في القرآنِ معرَّفةً بلامِ التعريفِ، ولم يذكُرْها منكَّرةً؛ قال تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩]، وقال: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧] ولا جَنَّةَ يَعهَدُها المخاطَبونَ ويَعرِفُونها عند سَمَاعِها إلا جَنَّةُ الخُلْد.
وقولُ ابن أبي زَيْد: "وَخَلَقَ النَّارَ فَأَعَدَّهَا دَارَ خُلُودٍ لِمَنْ كَفَرَ بِهْ"، لا يريدُ به: أنَّ بعضَ عصاةِ الموحِّدينَ لا يدخُلُونَ النارَ، وإنما هذا ذكَرَهُ بقيدِ الخلود، والمؤمِنُ لا يخلَّدُ في النارِ ولو عُذِّبَ فيها؛ ولهذا قيَّد، فقال: "دَارَ خُلُودٍ لِمَنْ كَفَرَ بِه".
ولا يَرَى الكُفَّارُ ربَّهم يومَ القيامةِ؛ لأنَّ رؤيتَهُ نعيمٌ، ولا نعيمَ لهم؛ وقد قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وقال رجلٌ لمالكٍ: يا أبا عبد الله، هل يَرَى المؤمِنُونَ ربَّهم يومَ القيامةِ؟ فقال مالكٌ: "لو لم يَرَ المؤمِنُونَ ربَّهم يومَ القيامة، لم يعيِّرِ اللهُ الكُفَّارَ بالحِجَابِ؛ قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] " (١).
وبهذا استدَلَّ الشافعيُّ وأحمدُ (٢).