ونشَأَ قولُ القائلينَ بالحتميَّةِ السببيَّة؛ وهم الذين يَجعَلُونَ الكونَ منتظِمًا بنظام محكومٍ لا يخرُجُ عنه، وكلُّ واقعةٍ لا يُمكِنُ أن تكونَ إلَّا كذلك، ولا شأنَ لأحدٍ فيها؛ فإنَّ اختيارَ اللهِ إنَّما كان في أصلِ الإيجاد، لا في تتبُّعِ المعادَلاتِ ونتائجِها؛ فلا يَرَوْنَ أنَّ للإلهِ إرادةً تتعرَّضُ لذلك النظامِ بالتبديلِ والتغييرِ.
وهؤلاءِ جبريَّةٌ في المبتدَأِ، وقدريَّةٌ في المنتهَى؛ وبهذا يقولُ كثيرٌ مِن الفلاسفةِ الغربيِّينَ مثلِ سِبِينُوزَا، وكَانْتْ، وهِيجِل، ومنهم مَن يستثني الرُّوحَ؛ فيرى أنَّ كلَّ جسَدٍ محكومٌ بقوانينِ الطبيعة، إلا الروحَ؛ فهي طليقةٌ مِن هذه القوانين، ويَرَى أنَّ عليها أنْ تُجاهِدَ الجسَدَ، وتَلتمِسَ العَوْنَ مِن الله بالمعرِفةِ في جِهَادِها.
_________________
(١) "الإنصاف" (ص ٤٣ - ٤٤).
[ ١٧٣ ]