وأهلُ الكلامِ أكثَرُ نِزَاعًا مِن أهلِ الحديثِ والأَثَر؛ فأهلُ الحديثِ نِزَاعُهم في الفروعِ، وأهلُ الكلامِ نزاعُهم في الأصولِ والفروع، وإذا تنازَعُوا في أصلٍ، تنازَعُوا في فروعِه، والناظِرُ في مذهبِ الأشاعِرةِ: يرى تشديدَهُمْ في الخلافِ في العقليَّات، وأنهم يَرَوْنَ المخالِفَ يتردَّدُ بين الكُفْرِ والابتداعِ والإِثْم، وبين أئمَّتِهم خلافٌ في أصولِهم؛ فقد خالَفَ رؤوسٌ منهم في أصولِهم؛ كأبي المَعَالِي الجُوَيْنِيِّ، والفَخْرِ الرازيِّ، وجَلَالِ الدِّينِ الدَّوَّانيِّ:
_________________
(١) "رياض النفوس" (١/ ٢٦٤).
(٢) "رياض النفوس" (١/ ٢٨٧).
[ ٤٢ ]
فالجُويْنِيُّ: يَرَى أنَّ القدرةَ الحادِثةَ تؤثِّرُ في مقدورِها، واستحَلَّ إطلاقَ القولِ بأنَّ العبدَ خالِقُ أعمالِه، وأنَّ فعلَ العبدِ واقِعٌ بقدرتِهِ قَطْعًا، وقدرتَهُ منفرِدةٌ بالتأثيرِ فيه (١).
وكذلك قولُ الرازيِّ في "الأَربَعِين"، و"المَطَالِبِ العَالِيَة": إنَّ الصفاتِ إنَّما هي نِسَبٌ وإضافاتٌ تحصُلُ بين ذاتِهِ تعالى، وبين المعلومِ والمقدورِ والمرادِ (٢).
وكذلك الجَلَالُ الدَّوَّانِيُّ: فإنَّه يقولُ بعَيْنِيَّةِ الصفاتِ، وأنَّ الصفاتِ عَيْنُ الذاتِ، وأنَّ الحوادِثَ لا أَوَّلَ لها، كما في "شرحِ العقائِدِ العَضُدِيَّة" (٣)، إلى غيرِ ذلك مِن أنواعِ النِّزَاع.