والسلفُ يُطلِقُونَ "الرَّأْيَ"، و"عِلْمَ الكلامِ"، والأصلُ في كلامِهم: أنَّهم يَقصِدُونَ بعلمِ الكلامِ: ما يُستدَلُّ به مِن المعقولِ في الأصولِ مِن العقائد، ويَقصِدُونَ بالرأيِ: ما يُستدَلُّ به مِن المعقولِ في الفروعِ مِن الفقه، وكانوا يَنهَوْنَ عن الرأيِ، وهو بابٌ للخوضِ في فروعٍ أمرُها أيسَرُ
_________________
(١) "ذم الكلام" للهروي (٨٥٩).
(٢) "الفقيه والمتفقه" (٣٩٠)، و"ذم الكلام" للهروي (٨٦٩).
(٣) "ذم الكلام" للهروي (٨٥٨).
(٤) "شرح أصول الاعتقاد" (٣٠٨ و٣٠٩).
[ ٥٤ ]
مِن الأصول؛ وذلك تعظيمًا للوحيِ قرآنًا وسُنَّة، وانتهاءً إلى ما بلَّغَهُ اللهُ لنبيِّه، وكلُّ مَن شدَّد في الرأيِ مِن السلفِ، فهو في علمِ الكلامِ أشَدّ، ولا يوجدُ إمامٌ منهم نَهَى عن الرأي، ثم أَذِنَ بالكلام، حتى كان مِن أصحابِ مالكٍ -وخاصَّةً المغارِبةَ- مَن دخَلَ العراق، ولم يَسمَعْ مِن أهلِ الرأي، ولم يأخُذْ عنهم الفقهَ، بل كانت تلك الطَّبَقةُ مِن أهلِ الرأيِ يَنْهَوْنَ عن علمِ الكلامِ؛ كما قال أبو يُوسُفَ: "مَن طلَبَ الدِّينَ بالكلام، تَزَنْدَق" (١)، وهؤلاءِ كانوا مَحَلَّ إنكارِ كثيرٍ مِن السلفِ، مع أنَّهم أدخَلُوا الرأيَ في الفروعِ، لا في الأصول.