يجبُ إثباتُ علوِّ اللهِ على خَلْقِه، وأنَّه مع ذلك مع خلقِهِ بعلمِهِ وإحاطتِه؛ فهو مُستَوٍ على عرشِه، وعلمُهُ في كلِّ مكان؛ قال مالكٌ: "اللهُ
_________________
(١) "الأسماء والصفات" (٨٦٥).
(٢) "العلو" (٤٧٠).
[ ١٠٧ ]
في السماءِ، وعِلْمُهُ في كلِّ مكانٍ، لا يخلو مِن عِلْمِهِ مكانٌ"؛ كما نقَلَهُ عنه أبو القاسِمِ المَقَّرِيُّ (١)، وأبو عمر الطَّلَمَنْكِيُّ (٢)، وابنُ عبدِ البرّ (٣).
وإثباتُ العلوِّ على الحقيقةِ هو ما يقرِّرُهُ أهل السُّنَّةِ في المغرِب؛ كابن أبي زَمَنِينَ في "أصول السُّنَّة" (٤)، ونحوُهُ أبو المطرِّفِ القَنَازِعيُّ القرطبيُّ في "تفسير الموطَّأ" (٥): أنَّ اللهَ فوقَ عَرْشِه، وهو في كلِّ مكانٍ بعِلْمِه، وبنحوِه يقرِّر أبو القاسم المقري كما في "شرح الملخص لمسنَد الموطَّأ"؛ لأبي الحسن القابسيِّ (٦)، وهكذا المتأخِّرونَ؛ كابنِ عَزُّوزٍ المالكيِّ التُّونُسِيِّ (٧): يقرِّرُ أنَّ اللهَ مستوٍ على عرشِه، بائنٌ مِن خَلْقِه، قريبٌ لهم بعِلْمِه.
وكان أبو العبَّاسِ بن طالبٍ يخطُبُ في القَيْرَوانِ، ويقولُ: "الحمدُ للهِ الذي على عرشِهِ استَوَى، وعلى مُلْكِهِ احتَوَى، وهو في الآخِرةِ يُرَى" (٨).
وربَّما كان السبَبُ للقولِ بنفيِ العلوِّ: الجَهْلَ بلسانِ العرَب، وتبعًا لذلك تُفهَمُ بعضُ نصوصِ القرآنِ على غيرِ وَجْهِها:
ومِن ذلك: استدلالُ بعضِ المعطِّلةِ القائِلِينَ بأنه في كلِّ مكانٍ بذاتِهِ؛ بقولِهِ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وقولِهِ تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧].
_________________
(١) "اجتماع الجيوش الإسلامية" (٢/ ١٥٧ - ١٥٨).
(٢) "اجتماع الجيوش الإسلامية" (٢/ ١٤٢).
(٣) في "التمهيد" (٧/ ١٣٨).
(٤) "أصول السُّنَّة" (ص ٨٨).
(٥) "تفسير الموطأ" (١/ ٤٠١).
(٦) "اجتماع الجيوش الإسلامية" (٢/ ١٥٧).
(٧) "عقيدة التوحيد الكبرى" (ص ١٠).
(٨) "ترتيب المدارك" (٤/ ٢١٤).
[ ١٠٨ ]
وهذا فهمٌ فاسدٌ:
فأمَّا الآية الأُولى: فالمرادُ منها: أنَّ اللهَ معبودٌ في السماءِ مِن أهلها، ومعبودٌ في الأرضِ مِن أهلِها؛ وهذا قولُ أهلِ التفسيرِ (١)؛ كما قاله ابنُ عبد البَرِّ (٢)، وقال: "وما خالَفَهُمْ في ذلك أحدٌ يُحتَجُّ به" (٣).
وأمَّا الآيةُ الثانيةُ: فالمرادُ بها: معيَّةُ اللهِ وعلمُهُ بعبادِه؛ ودليلُ ذلك قولُهُ تعالى في آخِرِ الآية: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [المجادلة: ٧]؛ فالأمرُ يتعلَّقُ بالعلمِ الذي يَتْبَعُهُ إنباءٌ، وقد أنكَرَ أحمدُ بنُ حنبلٍ على مَن استدَلَّ بهذه الآيةِ وأخَذَ أوَّلَها، وترَكَ آخِرَها الذي يُتِمُّ المعنى ويدُلُّ عليه (٤).
ومِن شُبُهاتِ بعض المعطِّلةِ للعلوِّ والاستواءِ مِن متكلِّمةِ المغرِبِ: ما استشكَلَهُ سليمانُ الفرَّاءُ بقولِهِ: "أين كان ربُّنا إذْ لا مكانَ؟ " (٥):
وهذا السؤالُ يُجِيبُ عن نفسِهِ بالبطلانِ؛ فإنَّه لا يُسأَلُ بـ "أَيْنَ" إلا عندَ وجودِ المكانِ، وعند عدَمِ وجودِه، فيجبُ أن يكونَ السؤالُ بـ "أَيْنَ" غيرَ موجود، ولا يُسأَلُ بـ "مَتَى" إلا عند وجودِ الزمانِ، وأمَّا عندَ عدمِ وجودِه، فالسؤالُ يجبُ عدَمُ وجودِهِ مِن بابِ أَوْلى.
وقد رَدَّ ابنُ الحَدَّادِ على الفرَّاءِ بنفيِ سؤالِهِ وبُطْلانِه، وأنَّ الصوابَ
_________________
(١) انظر: "تفسير ابن جرير" (٢٠/ ٦٥٩ - ٦٦٠).
(٢) في "التمهيد" (٧/ ١٣٤).
(٣) في "التمهيد" (٧/ ١٣٩).
(٤) "الرد على الجهمية والزنادقة" (ص ١٥٤).
(٥) "طبقات علماء إفريقية" (ص ١٩٩).
[ ١٠٩ ]
القولُ: "كيف كان ربُّنا إذْ لا مكانَ؟ "، وقد أجابَ ابنُ الحدَّادِ: "إنَّه الآنَ على ما كانَ عليه، ولا مكانَ" (١).
وهذا كلُّه لا ينفي أصلَ خَلْقِ الزمانِ والمكان، ووجودِهما تعاقُبًا؛ فوجودُهما جنسًا شيءٌ، ووجودُهما آحادًا شيءٌ ثانٍ، ومشاهداتُهما والعلمُ بهما شيءٌ ثالث.
والشُّبُهاتُ الكلاميَّةُ والفِكْريَّةُ التي تَستجلِبُها العقولُ، وتَضَعُها في سياقاتٍ غيرِ سياقاتِها، ثُمَّ تخرُجُ بنتيجةٍ تظنُّها كاملةً، وتضَعُها في موضعٍ ليس لها -: يقَعُ بِسَبَبِها الضلالُ، ويُنفَى الحقُّ، ويُثبَتُ الباطلُ، وأشَدُّ ذلك وأعظَمُهُ: ما كان متعلِّقًا بحقِّ اللهِ تعالى وذاتِه.
والجَهْمِيَّةُ القائِلُونَ بنفيِ علوِّ الله، وأنَّه في كُلِّ مكانٍ، ولا يَخلُو منه مكانٌ: يتناقَضُونَ مع أصولِهم العقليَّةِ، والأدلَّةِ النقليَّة؛ فهم يُقِرُّونَ أنَّ اللهَ كان ولا شيءَ قَبْلَه، ثم خلَقَ الخَلْقَ، ولكنْ لا يَدرُونَ أَيْنَ خلَقَهُم؟ ! فإمَّا أن يقولوا: إنَّ اللهَ خلَقَ الخَلْقَ داخِلَ نَفْسِهِ سبحانه، أو خلَقَهُمْ خارِجًا عنها:
فالأوَّلُ: كُفْرٌ؛ إذْ كيفَ يخلُقُ اللهُ خَلْقَهُ في نَفْسِه؛ فتكونَ مَحَلًّا للحوادثِ التي يَنفُونَها فيه، ومحلَّا لخَلْقِ اللهِ مِن الشرورِ والخُبْثِ والشياطينِ؟ ! تعالى اللهُ!
وإنْ قالوا: بأنَّ اللهَ خلَقَهُمْ خارِجَ نَفْسِه، ثمَّ دخَلَ فيهم، أو دخَلُوا فيه، فقد أقَرُّوا بمكانٍ ليس فيه اللهُ عند الخَلْقِ.
_________________
(١) "طبقات علماء إفريقية" للخشني (ص ١٩٨ - ١٩٩).
[ ١١٠ ]
وإنْ قالوا: بأنَّه خلَقَ الخَلْقَ خارِجَ نَفْسِه، وهم على ذلك، فقد سلَّموا بالحقِّ عقلًا.
واللهُ تعالى تجلَّى للجَبَل، ويَطَّلِعُ على خَلْقِه، ويباهي بهم يومَ عَرَفةَ، وإذا كان تجلَّى للجَبَلِ -وعَرَفةُ فيه، وهو فيها- فكيف يَصِحُّ التجلِّي لشيءٍ هو فيه؟ ! ولكنَّ اللهَ فوقَ عَرْشِهِ ويتجلَّى لشيءٍ ليس فيه سبحانَه.
والآياتُ التي يستَدِلُّونَ بها على أنَّ اللهَ في كُلِّ مكانٍ هي دالَّةٌ بنَفْسِها على خلافِ ذلك، وأنَّ اللهَ على عرشِهِ، وهو مع الناسِ بعِلْمِه؛ فقولُهُ تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]؛ يعني: بالعِلْمِ؛ فليس هو في الوريدِ؛ فقد قال: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [ق: ١٦]، فبدَأَ بالعِلْمِ؛ ليبيِّنَ أنَّه هو المقصودُ بالقُرْبِ.
وكذلك قولُهُ تعالى: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]؛ يريدُ: بعِلْمِه، وبهذا استفتَحَ اللهُ الآيةَ، وختَمَها؛ ففي أوَّلها قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المجادلة: ٧]، وفي آخِرِها قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، ولم يَقُلْ: إنَّه في كُلِّ مكانٍ بذاتِه، وإنَّما بعِلْمِه.