لمَّا كَثُرَتِ المذاهبُ البدعيَّةُ في التشبيهِ والتأويلِ والتحريفِ، كان التفويضُ عند بعضِهم مخلِّصًا منها؛ فتوهَّم تعظيمَ اللهِ بتفويضِ معاني نصوصِ الصفاتِ إليهِ أو تعطيلِها؛ وهذا الدافعُ قديمٌ؛ فقد ذُكِرَ عند
_________________
(١) "معالم السُّنَّة" (٣/ ١٦٥).
(٢) "الأسماء والصفات" (٢/ ٣٠٣).
(٣) "الاعتقاد" (ص ١١٨ - ١٢٠).
(٤) "العقيدة النظامية" (ص ٣٢ - ٣٤).
(٥) "إلجام العوام" (ص ٤٢ - ٤٧).
(٦) انظر: درء التعارض (١/ ١٥).
(٧) كما في رسالته "أقاويل الثقات" (ص ٦١ - ٦٥).
[ ٩٨ ]
ابنِ مَهْدِيٍّ الجهميَّةُ، وأنَّهم يَنفُونَ الصفاتِ، ويقولونَ: "اللهُ أعظَمُ مِن أنْ يُوصَفَ بشيءٍ! "، فقال ابنُ مَهْدِيٍّ: "قد هلَكَ قومٌ مِن هذا الوجهِ" (١).
ووجَدَ أهلُ التفويضِ مِن مُتشابِهِ كلامِ بعضِ الأئمَّةِ؛ مِن إمرارِ أخبارِ الصفاتِ كما جاءتْ: ما يؤيِّدُ ذلك المذهبَ، حتى شاع التفويضُ في المغربِ؛ حتى عدَّه ابنُ خَلْدُونَ في "مقدِّمتِهِ" مذهبًا للسلف، والأقوالُ الباطلةُ مهما بلَغَتْ شناعةً، لا يجوزُ حملُ الناسِ على باطلٍ آخَرَ لأجلِها؛ فلا يُفَرُّ مِن باطلٍ إلى باطلٍ، ولو كان أقلَّ منه، مع إمكانِ بيانِه؛ ولهذا يقولُ أحمدُ بنُ حنبلٍ: "لا نُزِيلُ عنه صفةً مِن صفاتِهِ؛ لِشَنَاعَةٍ شُنِّعَتْ" (٢).
والأئمَّةُ حينما يقولون: "نُمِرُّهَا لَا نُفَسِّرُهَا"، لا يريدونَ بذلك: نفيَ الحقيقةِ، فالتفسيرُ المرادُ به: التكييفُ؛ كما قال أبو عُبَيْدٍ: "إذا قِيلَ: كَيْفَ وضَعَ قَدَمَهُ؟ وكَيْفَ ضَحِكَ؟ قلتُ: لا يُفسَّرُ هذا، ولا سَمِعْنا أحدًا يفسِّرُه" (٣)؛ فجعَلَ السؤالَ عن كيفية الصفةِ سؤالًا عن تفسيرِها.
ومثلُ ذلك: قولُ بعضِ الأئمَّةِ؛ كأحمدَ بنِ حنبلٍ: "لَا كَيْفَ، وَلَا مَعْنَى" (٤)، وليس مرادُهُ بذلك: نفيَ وجودِ الكيفِ، ولكنْ نَفْيَ العلمِ به، وكذلك في نفيِ المعاني: ليس مرادُهُ نفيَ وجودِ المعاني، ولكنْ نفيَ التأويلات الباطِلةِ؛ لأنَّها كانت شائعةً ذائعةً في كثيرٍ مِن البُلْدانِ والمَجالِسِ في زمانِه.
ومِن هذا: قولُ أبي عُبَيْدٍ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ؛ قاصدًا المعانيَ الفاسدةَ خاصَّةً: "نحنُ نروي هذه الأحاديثَ، ولا نُرِيغُ لها المعانيَ" (٥).
_________________
(١) "إبطال التاويلات" (٢٧).
(٢) "ذم التأويل" (٣٣).
(٣) "الصفات" للدارقطني (٥٧).
(٤) "ذم التأويل" (٣٣).
(٥) "الأسماء والصفات" (٢/ ١٩٢)، و"أقاويل الثقات" (ص ١٧٨).
[ ٩٩ ]
ومِن أئمَّةِ السلفِ: مَن يريدُ بالمعنى: التكييفَ؛ فينفيهِ؛ كما سُئِلَ يزيدُ بن هارونَ عن معنى حديثٍ في الصفاتِ، فغَضِبَ وحَرَدَ، وقال: "وَيْلَكَ مَن يَدرِي كيفَ هذا؟ ! " (١).
فجعَلَ سؤالَهُ عن المعنَى سؤالًا عن الكَيْفِ؛ لأنَّه فَهِمَ مقصودَ السائلِ على ذلك، ومعرِفةُ سِيَاقاتِ كلامِ الأئمَّةِ مفسِّرةٌ لألفاظِهِمُ المتبايِنةِ في الاستعمالِ؛ بحسَبِ مَوْضِعِها، وحملُها على معنًى واحدٍ متطابِقٍ باطلٌ، والسلفُ كانوا يَسكُتُونَ عن آياتِ الصفاتِ؛ لأنَّ إثباتَ الحقيقةِ مستقِرٌّ في نفوسِهم؛ وقد قال مالكٌ واصفًا أهلَ البِدَعِ: "ولا يَسْكُتُونَ عمَّا سكَتَ عنه الصحابةُ".
ولا يَلزَمُ مِن تنزيهِ الله عن التشبيهِ نفيُ الحقيقةِ في صفاتِ الله تعالى؛ كما لا يَلزَمُ مِن إثباتِ الحقيقةِ التشبيهُ، وما زال العلماءُ يَحترِزُونَ مِن هذا الفهمِ كلٌّ بحسَبِ تعبيرِه، ولمَّا أثبَتَ عبدُ الغنيِّ المَقْدِسِيُّ الاستواءَ، قال: "بلا تنزيهٍ ينفي حقيقةَ النزولِ" (٢)؛ دفعًا لتوهُّمِ التعطيلِ والتفويض.
والمفوِّضةُ سكَتُوا عمَّا سكَتَ عنه الصحابةُ من التكييفِ والتأويل المخالِف لظاهِرِ اللفظ، ونَفَوْا مع السكوتِ: ما أثبَتَهُ الصحابةُ مِن الحقائقِ والمعاني.