* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنَّ القُرْآنَ كَلَامُ الله، لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ فَيَبِيدْ، وَلَا صِفَةٍ لِمَخْلُوقٍ فَيَنْفَدْ):
أراد ابنُ أبي زَيْدٍ أن يبيِّنَ: أنَّ المرادَ بكلامِ اللهِ: هو ما بين أيدينا مِن المسموعِ والمتلوِّ، والمكتوبِ والمحفوظِ، وليس قَصْرَهُ على ما في النَّفْسِ؛ فإنَّ هذا القصرَ ليس بمعروفٍ في كلامِ السلفِ، وكلامُهُ هذا مأخوذٌ مِن كلامِ مالكٍ؛ كما نقَلَهُ عنه في "الجامع": "القُرْآنُ كَلَامُ الله، وَكَلَامُهُ لا يَبِيدُ وَلَا يَنْفَدُ، وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ" (٢).
لأنَّ الله باقٍ، فيبقَى كلامُهُ، وليس بمخلوقٍ، حتى يخلُقَ كلامَه، وحكمُ الصفةِ حكمُ الذاتِ، ومَن قال بخلقِ الصفة، فيَلزَمُهُ القولُ بخلقِ الذات؛ تعالى الله عن ذلكَ عُلُوًّا كبيرًا.
والسَّلَفُ يَعلَمُونَ: أنَّ كلامَ الله هو هذا الخارِجُ منه المسموعُ والمقروء، والمكتوبُ والمحفوظ، وليس الكلامَ النَّفْسيَّ في الذات؛ كما يقولُ بعضُ المتكلِّمين (٣)؛ ولهذا نقَلَ عَمْرُو بن دِينارٍ ما أدرَكَ عليه الصحابةَ؛ وهو: "أنَّ اللهَ الخالِقُ، وما سواهُ مخلوقٌ؛ إلا القرآنَ؛ فإنَّه كلامُ الله، منه خرَجَ، وإليه يَعُودُ" (٤)، ونحوَ هذا قال ابنُ عُيَيْنةَ: "القرآنُ
_________________
(١) "أصول الدين" (ص ١٢١).
(٢) "الجامع" (ص ١٢٣).
(٣) "الإنصاف" للباقلاني (ص ١٠١، ١٠٣)، و"غاية المرام" للآمدي (ص ٨٨).
(٤) "الرد على الجهمية" للدارمي (٣٤٤)، و"مسائل حرب" (١٨٢١).
[ ١٥٥ ]
خرَجَ مِن اللهِ" (١)، وبنحوِهِ قال أحمدُ (٢)، وكونُهُ مسموعًا ومقروءًا لا يعني: أنَّه ليس منه، أو أنَّه بائِنٌ عنه؛ كما قال أحمدُ (٣): "كلامُ اللهِ منه، وليس ببائِنٍ منه، وليس منه شيءٌ مخلوقٌ".
ويقولُ بِشْرُ بن الحارِثِ الحافي: "نَشهَدُ أنَّ اللهَ يقولُ ويخلُقُ، وقولُهُ قولٌ، وخَلْقُهُ خَلْقٌ، وقولُهُ بائِنٌ مِن خَلْقِه، وخَلْقُهُ بائِنٌ مِن قَوْلِه" (٤).
وقولُهم هذا دفعًا لتوهُّمِ أنَّ المسموعَ والمقروءَ والمكتوبَ يجعَلُه سَمْعُه وقراءتُه وكِتابتُه مخلوقًا؛ بل هو مبايِنٌ للخَلْق، وهذا لا يقالُ لما قام بذاتِ اللهِ؛ كما يقولُ المتكلِّمون مِن الكلامِ النَّفْسيِّ؛ لأنَّه لا يُتوهَّمُ بَيْنُونَتُه.