ويُثبِتُ أنَّ للهِ كرسيًّا؛ كما قال -﷿-: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفَهْمُ ذلك على ما تَفهَمُهُ العرَبُ الأولى مِن كلامِها مِن أهلِ الصدرِ الأوَّل، وقد قال ابنُ عبَّاس: "الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ" (١٠).
وصحَّ هذا القولُ عن وَهْبِ بنِ منبِّه (١١)، ويُروَى عن أبي موسى (١٢)،
_________________
(١) "العواصم" (٢/ ٢٩٠).
(٢) "النوازل" للبرزالي (٦/ ٢٠).
(٣) "طبقات الشافعية" (٦/ ١٤٣).
(٤) "ايضاح الدليل" (ص ١٠٧).
(٥) "أزهار الرياض، في أخبار عياض" للمقَّري (٣/ ٥٨).
(٦) "شرح السُّنَّة" له (ص ٧٥).
(٧) تقدَّم.
(٨) "العلو" (ص ٢٣٦).
(٩) "الحجة في بيان المحجة" (٢/ ١٠٩)، و"العلو" (٥٦٤).
(١٠) "السُّنَّة" لعبد الله (٥٨٦ و١٠٢٠ و١٠٢١)، و"التوحيد" لابن خزيمة (١/ ٢٤٨ و٢٤٩).
(١١) "السُّنَّة" لعبد الله (١٠٩٢)، و"العظمة" (٤/ ١٣٩٩).
(١٢) "السُّنَّة" لعبد الله (٥٨٨ و١٠٢٢)، و"تفسير الطبري" (٤/ ٥٣٨).
[ ١١٨ ]
وأبي مالك (١)؛ وبهذا فسَّره ابنُ أبي زَمَنِينَ الأندلسيُّ في "أصول السُّنَّة" (٢).
ولا يجوزُ تكييفُ فِعْلِ اللهِ فيه، ولا تشبيهُهُ؛ فاللهُ ليس كمثلِهِ شيءٌ، وقد ورَدَ في بيانِ حجمِ الكرسيِّ في الحديثِ: (مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضِ فَلاةٍ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ) (٣).
ورُوِيَ: أنَّ الكُرْسِيِّ: هو عِلْمُ اللهِ (٤)، وقيل: قُدْرَتُهُ (٥)، وقيل: هو العَرْشُ (٦).
والأصحُّ: أنه مَوضِعُ القَدَمَيْنِ على ما يليقُ بالله، لا على ما يليقُ بالمخلوق.
وأمَّا القولُ بأنَّ الكرسيَّ: عِلْمُ اللهِ؛ فقد رُوِيَ هذا عن ابن عبَّاس، وفيه عن ابن عبَّاس لِينٌ، واستدَلَّ بعضُهم عليه بقولِ الشاعِر:
مَا لِي بِأَمْرِكَ كُرْسِيٌّ أُكَاتِمُهُ وَلَا يُكَرْسِئُ عِلْمَ اللهِ مَخْلُوقُ (٧)
وهذا مخالِفٌ لوضعِ العرَبِ عند إطلاقِ الكُرْسِيِّ، والكُرْسِيُّ لا يُهمَز (٨).
_________________
(١) "السُّنَّة" لعبد الله (٥٨٩ و١٠٢٣).
(٢) "أصول السُّنَّة" (ص ٩٦).
(٣) "العرش وما روي فيه" (٥٨)، و"صحيح ابن حبان" (٣٦١).
(٤) رُوِي ذلك عن ابن عباس. انظر: "السُّنَّة" لعبد الله (١١٥٦ و١١٨٤)، و"تفسير الطبري" (٤/ ٥٣٧).
(٥) "معاني القرآن" للنحاس (١/ ٢٦٤)، و"تفسير القرطبي" (٤/ ٢٧٦).
(٦) رُوِي ذلك عن الحسن. انظر: "تفسير الطبري" (٤/ ٥٣٩).
(٧) لا يُعرَفُ قائلُ هذا البيت. انظر: "تأويل مختلف الحديث" (ص ١١٩)، و"معاني القرآن" للنحاس (١/ ٢٦٣)، و"البحر المحيط" (٢/ ٢٩٠)، و"اللباب في علوم الكتاب" (٤/ ٣٢٢).
(٨) انظر: "تأويل مختلِف الحديث" لابن قُتَيْبة (ص ١١٩ ط. المكتب الإسلامي).
[ ١١٩ ]
وأمَّا القولُ بأنَّه: قدرةُ الله، فيُروَى عن ابن عبَّاس؛ وفيه ضعفٌ.
وأمَّا القولُ بأنَّ الكُرْسيَّ: هو العَرْشُ، فمَرْوِيٌّ عن الحسَنِ، والضَّحَّاكِ، وغيرِهما.
وهذا ليس فيه شيءٌ يَصِحُّ عن الصحابةِ والتابعينَ، وأصحُّ ما جاء فيه: أنه مَوضِعُ القَدَمَيْنِ على ما قاله ابن عبَّاسٍ فيما سبَقَ، ولم يُخالِفْهُ أحدٌ مِن الصحابةِ.
وقد كان ابنُ مسعودٍ يَعُدُّ الكرسيِّ غيرَ العرشِ؛ كما رَوَى ابنُ خُزَيْمةَ في "التوحيد" عنه؛ قال: "بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْكُرْسِيِّ خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ وَالمَاءِ خَمْسُ مِئَةِ عَام، وَالعَرْشُ فَوْقَ المَاءِ، واللهُ فَوْقَ العَرْشِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ" (١).
وهذا لا يقولُهُ الصحابيُّ مِن رأيِهِ.
وإنَّما حمَلَ بعضُ المتكلِّمِينَ الكرسيِّ على علمِ الله، أو قُدْرَتِهِ؛ لإنكارِهم الصفاتِ الخبريَّة، والأفعالَ الإلهيَّة؛ لأنَّ العرشَ والكرسيَّ لا بُدَّ أنْ يكونا مَحَلًّا للفعلِ.
والحقُّ: أنَّ العرشَ: للاستواءِ، والكرسيَّ: موضعُ القدمَيْنِ، واللهُ أعلَمُ بالكيفيَّةِ التي لا تُشبِهُ المخلوقَ.