والمذاهِبُ الفقهية -ومنها: المذاهِبُ الأربعةُ المشهورة- مذاهِبُ فقهيَّة، وليست طُرُقًا عَقَدِيَّة؛ فليس كلُّ مَن انتسَبَ إلى إمامٍ في الفروع، فهو على طريقتِهِ في الاعتقاد، ولا يُنسَبُ للإمامِ اعتقادٌ قرَّره بعضُ أتباعِهِ في الفروع.
ومَن نظَرَ في كثيرٍ مِن رؤوسِ الاعتزالِ، وجَدَهم حنفيَّةً في الفروعِ، وأبو حنيفةَ بريءٌ مِنِ اعتزالهم، وهكذا في بعضِ مَن ينتسِبُ لمالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ؛ فتؤخَذُ مذاهبُ الفروعِ بمأخَذٍ غيرِ طرائقِ العقائد.
ولم تَظهَرِ الأهواءُ في المغربِ منتظِمةً مبكِّرةً؛ كما ظهَرَتْ في المشرِقِ والعراقِ والشامِ، وقد كانت غايةُ البدعِ الكلاميَّةِ يَحمِلُها أفرادٌ، وربَّما يتهيَّبون من الدعوةِ إليها والكتابةِ بها، وكان عامَّةُ ردودِ المغارِبةِ ومناظراتُهم في القرنِ الثالثِ والرابعِ -خاصَّةً المالكيَّةَ- في الفروعِ، ودفاعًا عن مالكٍ ومذهبِهِ مِن ردودِ بعضِ المشارِقةِ وغيرِهم عليه؛ خاصَّةً مِن أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأصحابِهما، وخاصَّةً في كتابِ محمَّد بن الحسَن "الحُجَّةِ على أهلِ المدينة"، وكتابِ الشافعيِّ "اختلافِ مالك"، وغيرِهما.
وقد رَدَّ جماعةٌ مِن المغارِبةِ على الشافعيِّ، منهم: محمَّدُ بنُ سُحْنُونٍ في كتابِهِ "الجوابَات"، ويحيى بن عُمَرَ الكِنَانيُّ الأندلسيُّ
[ ٢٩ ]
القَيْرَوانيُّ في كتابِهِ "الحُجَّةِ في الردِّ على الشافعيِّ"، ورَدَّ على الشافعيِّ: يُوسُفُ المُغَامِيُّ الأندلسيُّ، وأبو عثمانَ سعيدٌ الحدَّاد، ورَدَّ محمَّدُ بن سُحْنُونٍ على أبي حنيفةَ وأصحابِهِ في كتابِهِ "الردِّ على أهلِ العراق".
وهذه الردودُ كلُّها في القرنِ الثالث.
وقد كانوا يَرُدُّونَ الاحتجاجَ بكتبِ داوُدَ الظاهِريِّ وأقوالِهِ قبلَ دخولِ بعض رجالِ المغربِ في مذهبِه، وقبلَ ولادةِ ابنِ حزمٍ، وأوَّلُ مَن أدخَلَ كتبَ داودَ الأَندَلُسَ تلامذتُهُ: عبدُ اللهِ بن قاسمِ بنِ هِلَالٍ القرطبيُّ، ومُنْذِرُ بن سَعيدٍ البَلُّوطيُّ، ثم أدخَلَ كتبَ داودَ مَغرِبَ إفريقيَّة: محمَّدُ بن خَيْرُونَ القيروانيُّ في "رحلتِهِ إلى العراق"، التي لَقِيَ فيها أصحابَ أحمَدَ، وابنِ مَعِينٍ، وابنِ المَدِينيِّ؛ وهو أوَّلُ مَن أدخَلَها القَيْرَوانَ؛ وهذا قبلَ ولادةِ ابنِ حَزْمٍ بنحوِ قَرْنٍ.
وقد تكلَّم أبو عُثْمانَ سعيدُ بن الحدَّادِ في مسألةٍ، فقيل له: إنَّ داودَ قال فيها كذا وكذا، فقال: "لو كان نَوْمِي كيَقَظةِ داودَ، ما تكلَّمْتُ في العِلْم" (١).
وابنُ الحدَّاد شيخُ شيوخِ ابنِ أبي زَيْد.
ورَدَّ ابنُ أبي زيدٍ نفسُهُ على الظاهريَّةِ وخلافِهم لمالكٍ في كتابِهِ "الذَّبِّ عن مذهبِ مالك"، وكان كتابُهُ ردًّا على كتابٍ لأحدِ الظاهريَّةِ سمَّاه: "التنبيهَ والبيانَ، عن مسائلَ اختلَفَ فيها مالكٌ والشافعيُّ"؛ حيثُ ذكَرَ صاحبُ "التنبيهِ" مخالَفةَ مالكٍ للسُّنَّةِ في بعضِ أصولِ فقهِهِ، وسبعًا وثلاثينَ مسألةً مِن فروعِه، وكان المَغارِبةُ يسمُّونَ داودَ بالقِيَاسيِّ؛ لأنه ينفي القياسَ.
_________________
(١) "معالم الإيمان" (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨).
[ ٣٠ ]
وإنَّما قَوِيَتْ شوكةُ أهلِ الظاهِرِ في المَغرِبِ الأقصى بعدَ ابنِ حزمٍ، وانتشَرَ مذهبُهُمْ حتى القرنِ السابعِ؛ فضَعُفُوا حتى كأنْ لم يكنْ لهم فيها أثَرٌ.
وكتبُ الأئمَّةِ المشارِقةِ السابِقِينَ في العقائدِ معروفةٌ، ولم يكنْ أهلُ المغربِ يَرُدُّونَ على شيءٍ منها، ومِن ذلك: كتبُ أبي جعفرٍ الطَّحَاويِّ الحَنَفيِّ؛ فقد كتَبَ رسالتَهُ في "معتَقَدِهِ ومعتَقَدِ أئمَّةِ مذهبِهِ أبي حنيفةَ وأصحابِه"، وكتَبَ في فروعِهم وأدلَّتِها: "مُشكِلَ الآثار"، و"معانيَ الآثار"، وغيرَهما.
ولم يَرُدَّ عليه المالكيُّونَ إلا في الفروعِ؛ كما رَدَّ عليه شيخُ ابنِ أبي زيدٍ القَيْرَوانيِّ: أبو الفضلِ العبَّاسُ المُمْسِيُّ في تحريمِ المُسكِرِ.
وكثرةُ ردودِهم في الفروعِ في تلك الطَّبَقةِ دليلُ اتفاقِهم في الأصول؛ فإنَّهم لم يكونوا يَختَلِفونَ مع الشافعيِّ ولا أصحابِهِ في عقائِدِهم، ولا لهم في القرنِ الثالثِ كبيرُ شيءٍ مِن كتبٍ في أصولِ الدِّينِ؛ لاستقرارِ الأمرِ على السُّنَّة، وجَرَيانِهِ على الفِطْرة.