واللهُ يُعِيدُ أجسادَ الناسِ التي كانت في الدنيا، لا غيرَها، ويُحيِي العظامَ التي كانت في الدنيا، لا غيرَها؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩]، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَو حَدِيدًا (٥٠) أَو خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥٠ - ٥١]، ولكنَّ الله يزيدُ في أحجامِهم وحالِهم مِن جنسِ ما يزيدُهُ الله فيهم في الدنيا؛ فيَكْبَرُ الصغير، ويَهزَلُ العظيم، ويَسْمَنُ الضعيف، ويضعُفُ السمين، والزيادةُ فيهم لا تعني: أنَّ الأبدانَ ليستِ الأبدانَ، ولا أنَّ الجلودَ ليستِ الجلودَ، ولا أنَّ العِظامَ ليستِ العِظامَ.
وقد قال ابنُ أبي زيدٍ في عقيدتِهِ في "الجامع": "وَأَنَّ الَّتِي أَطَاعَتْ
_________________
(١) "الخراسانية" (ص ٤٤٤).
[ ١٩٠ ]
وَعَصَتْ هِيَ الَّتِي تُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ لِتُجَازَى، وَالجُلُودُ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا هِيَ الَّتِي تَشْهَدُ، وَالأَلْسِنَةُ وَالأَيْدِي وَالأَرْجُلُ هِيَ الَّتِي تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مَنْ تَشْهَدُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ" (١).
ومَن كفَرَ مِن الدهريِّينَ ممَّن يُؤمِنُ بالخلق، لم يكفُرْ بالبعثِ إلا بأنَّ الله يُعِيدُ ذاتَهُ كما هي؛ فهو يُحِيلُ هذا، وأمَّا خلقُ غيرِهِ مِن جديدٍ، فهو يُؤمِنُ بأنَّ اللهَ هو الذي خلَقَهُ وأوجَدَهُ، ومع ذلك ضَلُّوا وكفَرُوا.