وقد فطَرَ اللهُ الإنسانَ على الاحترازِ ممَّا يُفسِدُ عقلَهُ مِن الأمراضِ والعِلَلِ؛ حتى لا تؤثِّرَ على دنياه، وبمثلِ ذلك جاءت حِيَاطةُ النقلِ مِن الأهواءِ والبِدَعِ؛ حتى لا تؤثِّرَ على الدِّين، ولكنْ لما كانت لَذَّةُ الدنيا عاجِلةً، ومتعةُ الآخرةِ آجِلةً، غلَبَ على الناسِ حمايةُ الدنيا أكثَرَ مِن حمايةِ الدين.
وقد وصَفَ اللهُ مَيْلَ الإنسانِ وحبَّه للذةِ العاجلةِ في مواضع؛ قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠]، وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [الإنسان: ٢٧]، وقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء: ١٨].
فالنفسُ ميَّالةٌ للمتعةِ العاجلةِ؛ فإنَّ المتعةَ العاجِلةَ تسلُبُ الحواسَّ وتَجذِبُها إليها؛ ولهذا أمَرَ اللهُ بعدمِ مدِّ البصَرِ إليها حتى لا تَجذِبَهُ وتَحرِفَهُ، وقد قال اللهُ لنبيِّه المعصومِ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ
[ ٢٠ ]
أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]، والتوسُّعُ بالمتعةِ العاجلةِ يُنسِي النعيمَ الآجِلَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨].
وسَيْرُ الإنسانِ لتحقيقِ المتعةِ الدنيويَّةِ والاكتفاءُ بذلك، قَدْرٌ يُشارِكُهُ فيه الحيوانُ؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]، بل إنَّ الحيوانَ أكمَلُ في تحقيقِ كمالِ متعتِهِ مِن الإنسان، ولكنَّ اللهَ اختصَّ الإنسانَ بالعبوديَّة له؛ وهي التي يُفارِقُ الإنسانُ بها الحيوان؛ ولهذا فإنَّ اللهَ إذا ذكَرَ الإنسانَ في القرآنِ ذكَرَهُ مذمومًا، وإذا وصفَهُ بالإيمانِ مدَحَهُ.
وقد أنزَلَ اللهُ الوحيَ ليحفظَ العقولَ مِن سطوةِ النفوسِ واستبدادِها على الإنسان.