* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (ثُمَّ خَتَمَ الرِّسَالَةَ وَالنِّذَارَةَ وَالنُّبُوَّةَ بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ -ﷺ-؛ فَجَعَلَهُ آخِرَ المُرْسَلِينَ، بَشِيرًا وَنَذِيرَا، وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرَا):
بعَثَ اللهُ في كلِّ أُمَّةٍ رسولًا؛ لتبليغِ عبادتِهِ وحقِّه عليهم؛ لأنَّ العبادةَ هي الحِكْمةُ مِن الخَلْق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقد ذكَرَ اللهُ أنه لم يَدَعْ أُمَّةً مِن الأُمَمِ إلا وقد أقام عليهِمْ
_________________
(١) مسلم (٢٥٨٢) من حديث أبي هريرة؛ بنحوه.
(٢) البخاري (٣٣٥٩)، ومسلم (٢٢٣٧).
(٣) البخاري (٣٣١٦ و٦٢٩٥).
[ ١٧٦ ]
حُجَّتَه، وبلَّغهم رسالتَه؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦]، وقال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ [يونس: ٤٧]؛ فكانتِ الرسُلُ تَتَتابَعُ للبلاغِ، نبيًّا بعدَ نبيّ؛ حتى لا يَغِيبَ الحقُّ مِن الأرضِ بالكليَّة؛ قال تعالى عن تتابُعِ رُسُلِهِ: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤].
وتتابُعُ الرسُلِ حتى تقومَ الحُجَّةُ في الأرضِ على العالمين، وتَنقطِعَ أعذارُهم؛ كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].
والإيمانُ بجميعِ الرسُلِ واجبٌ، والكافِرُ بواحدٍ منهم كافِرٌ بجميعِهم؛ قال تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٠]؛ فجعَلَ الكفرَ به وبرسُلِهِ واحدًا، ولا يَلزَمُ مِن الإيمانِ برسولٍ اتباعُ شريعتِه، بل إنَّ الإيمانَ به يقتضي تصديقَ الخبَر، والإقرارَ بالمنزِلةِ والفضل، وأمَّا الاتِّبُاعُ، فقد ختَمَ الله جميعَ الشرائعِ برسالةِ النبيِّ محمَّدٍ -ﷺ-.