وأمَّا الاستدلالُ ببعضِ الأدلَّةِ التي يَظهَرُ منها قَبُولُ الرِّدَّةِ، أو زعَمَ بعضُهم منها مساواةَ الإسلامِ بغيرِهِ؛ كقولِ اللهِ تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقولِهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]-: فهذه ليست أدلَّةً لمسألتِنا هذه:
* أمَّا قولُهُ تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]: فقد نزَلَتْ في اليهودِ الذين بَقُوا على يهوديَّتهم، وأراد بعضُ الصحابةِ إكراهَهُمْ على الدخولِ ابتداءً في الإسلام.
وهذا لا إشكالَ فيه؛ فإنَّه لا يجوزُ إكراهُ أهلِ الكتابِ عليه ابتداءً؛ كما تقدَّم بيانُه؛ وهذا -مع كونِهِ لا يعني الإقرارَ بصِحَّةِ دِينِهم، ولا أنَّهم لو دخَلُوا الإسلامَ، جاز لهم الخروجُ منه- فتلك مسائلُ مختلِفةٌ؛ كما
_________________
(١) البخاري (٤٣٤١ و٤٣٤٢ و٤٣٤٤ و٤٣٤٥ و٦٩٢٣)، ومسلم (١٧٣٣).
(٢) البخاري (٣٠١٧ و٦٩٢٢) من حديث ابن عباس.
[ ١٨٢ ]
روى أبو داودَ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسِ؛ قال: "كَانَتِ المَرْأةُ تكونُ مِقْلَاتًا، فتَجعَلُ على نَفْسِها إنْ عاشَ لها وَلَدٌ أنْ تُهَوِّدَهُ، فلمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِير، كان فيهم مِنْ أبناءِ الأنصارِ، فقالوا: لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا؛ فأنزَلَ الله -﷿-: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] " (١).
والقائلُ بأنَّ هذه الآيةَ تدُلُّ على جوازِ الخروجِ مِن الإسلام، أو أنَّه مساوٍ لغيرِهِ، ضَرَبَ بفهمِ ظاهِرِ آيةٍ ألفَ آيةٍ وحديثٍ وأبطَلَها؛ وهذا لا يقولُهُ مِن جهةِ الشرعِ عالِمٌ، ولا مِن جهةِ النظَرِ صاحبُ فِكْر؛ فالدليلُ لا يُضرَبُ به دليلٌ آخَرُ يُخالِفُهُ مِن وجهٍ ويُفارِقُهُ مِن وجه؛ فكيف بإبطالِ ألفِ دليلْ، بظاهرِ دليلْ؟ !
* وأمَّا قولُهُ تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]: فقد حمَلَ بعضُهم (٢) هذه الآيةَ على التخييرِ بين الإسلامِ وغيرِهِ، والمساواةِ بينهما؛ وهذا لا تَدُلُّ عليه الآيةُ؛ لا في ظاهِرِها، ولا في باطِنِها:
* أمَّا المساواةُ: فالآيةُ تَنفِيها؛ فقد سَمَّتِ الإيمانَ بالنبيِّ -ﷺ- إيمانًا، وسمَّت الإيمانَ بغيرِهِ كفرًا.
* وأمَّا القولُ بأنها تفيدُ التخييرَ بين الإيمانِ والكفرِ: فهذا كلامُ مَن لا يَفهَمُ لسانَ العرب؛ فالآيةُ هي تهديدٌ ووعيد، وهوأسلوبٌ معروفٌ عند وضوحِ الحُجَّةِ وإقامتِها على أحدٍ يَتِمُّ تهديدُهُ وتحدِّيهِ بقولهم: "إنْ شِئْتَ افْعَلْ، وَإِنْ شِئْتَ فَاتْرُكْ"؛ يعني: ستَجِدُ ثوابَكَ وعقابَك.
وهذا يدُلُّ عليه كمالُ الآيةِ؛ فإنَّ الله لما قال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ
_________________
(١) أبو داود (٢٦٨٢).
(٢) انظر: "الكشاف" (٢/ ٦٧٢).
[ ١٨٣ ]
وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، قال بعد ذلك متوعِّدًا: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]؛ وبهذا فسَّرها الصحابةُ والتابِعُونَ، ولا خلافَ بينهم في ذلك (١).
ولكنْ مَن نظَرَ في هذه الآية، نظَرَ إلى كلمةٍ منها؛ وهي قولُهُ: ﴿فَمَنْ شَاءَ﴾ [الكهف: ٢٩]، ولم ينظُرْ إلى السياقِ؛ فتوهَّم أنَّ المشيئةَ تعني حرِّيَّةَ الاختيار، والمشيئةُ هنا هي كقولِهِ تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠].
ولم يَختلِفِ المفسِّرونَ مِن السَّلَفِ على صِحَّةِ هذا المعنى؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ، ومجاهِدٌ، وابنُ زَيْد (٢).
وجاء بمعناه الحديثُ؛ كما في قولِهِ -ﷺ-: (الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ؛ فَحَافِظْ عَلَى وَالِدَيْكَ أَوِ اتْرُكْ) (٣)؛ وليس هذا تخييرًا بين العقوقِ والبِرِّ؛ وهو معروفٌ في لسانِ العرَبِ؛ فتأمُرُ بالشيءِ وتخيِّرُ فيه، والمرادُ: الوعيدُ والتهديد؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥]؛ وليس في هذا أمرٌ بالكفرِ، ولكنَّه تهديد.
وكما يكونُ في التهديدِ والوعيدِ يكونُ في الرجاءِ؛ لكنَّه لا يُفهَمُ مِن مثلِ هذا السياقِ التخييرُ؛ كما في قولِ النبيِّ -ﷺ-: (لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) (٤)؛ فلا يقولُ عاقلٌ: "إنه يجوزُ لأهلِ بَدْرٍ الكفرُ والفسوقُ والعِصْيانُ"، ولكنَّ الآيةَ السابقةَ
_________________
(١) "تفسير الطبري" (١٥/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، و"الدر المنثور" (٩/ ٥٢٩).
(٢) الموضع السابق.
(٣) الترمذي (١٩٠٠)، وابن ماجه (٢٠٨٩ و٣٦٦٣) من حديث أبي الدرداء.
(٤) البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤) من حديث علي بن أبي طالب.
[ ١٨٤ ]
تهديدٌ ووعيدٌ، والحديثُ رجاءٌ، وليس فيها جميعًا تخييرٌ وإبطالٌ لأوامِرِ الله.