قال مالكٌ: "القرآنُ كلامُ الله، وكلامُ اللهِ منه، وليس مِن اللهِ شيءٌ مخلوقٌ" (٣).
وقال أيضًا: "القرآنُ كلامُ الله، وكلامُهُ لا يَبِيدُ ولا يَنفَدُ، وليس بمخلوقٍ" (٤).
وكان يصفُ مَن قال بخلقِ كلامِ اللهِ بالزَّنْدَقةِ، ويأمُرُ بقَتْلِه، ولم يكنْ أحدٌ مِن أصحابِ مالكٍ في المغرِبِ والمشرِقِ ولا مِن أصحابِهم: مَن يُخالِفُ في أنَّ القرآنَ كلامُ الله، ليس بمخلوقٍ، وهو إجماعُ القرونِ المفضَّلةِ ومَن تَبِعَهم.
وقد بلَغَتْ فتنةُ القولِ بخلقِ القرآنِ أصحابَ مالكٍ في المدينةِ وإفريقيَّة، وثبَتُوا على الحقِّ الذي كان عليه أهلُ العلم بالمدينةِ وغيرِها؛ يقولُ موسى بن الحسَن: "سمعتُ أبا بكرِ بنَ أبي أُوَيْسٍ، ومطرِّفَ بنَ عبد الله، وقد دُعِيَا إلى المحنةِ في القرآنِ بالمدينة، فلمَّا قُرِئَ عليهما
_________________
(١) "تهذيب اللغة" (١٠/ ٢٦٥).
(٢) "إعراب القرآن" (١/ ٥٠٧).
(٣) "السُّنَّة" لعبد الله (١٤٥)، و"السُّنَّة" للخلال (١٩٩٩ و٢٠٢١)، و"الشريعة" (١٦٥).
(٤) "الجامع" لابن أبي زيد (ص ١٢٣).
[ ١٣٨ ]
الكتابُ، قال أبو بكرٍ: أكفُرُ باللهِ بعد نيِّفٍ وتسعينَ سنةً، ومجالَسةِ مالك، ورجالٌ مِن أهلِ العلمِ بالمدينةِ متوافِرون؟ ! فقيل له: لِيَكُنْ بيتُكَ سِجْنَك" (١).
وقد قال أبو محمَّدٍ يحيى بن خلَفٍ المُقْرِئُ: "كنتُ عند مالكِ بنِ أنَسٍ سنةَ ثمانٍ وسِتِّينَ، فأتاه رجلٌ، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقولُ فيمن يقولُ: القرآنُ مخلوقٌ؟ قال: كافِرٌ زِنْدِيقٌ؛ اقتُلُوهُ، قال: إنما أَحكِي كلامًا سَمِعْتُهُ، قال: لم أَسمَعْهُ مِن أحدٍ؛ إنما سَمِعْتُهُ منك.
قال أبو محمَّدٍ: فغَلُظَ ذلك عَلَيَّ، فقَدِمْتُ مِصْرَ، فلَقِيتُ الليثَ بنَ سَعْدٍ، فقلتُ: يا أبا الحارثِ، ما تقولُ فيمن قال: القرآنُ مخلوقٌ، وحكَيْتُ له الكلامَ الذي كان عند مالكٍ؟ فقال: كافِرٌ، فلَقِيتُ ابنَ لَهِيعةَ، فقلتُ له مثلَ ما قلتُ لِلَّيْثِ بنِ سَعْدٍ، وحكَيْتُ له الكلامَ؟ فقال: كافِرٌ.
فأتيتُ مَكَّةَ، فلَقِيتُ سُفْيانَ بنَ عُيَيْنةَ، فحكَيْتُ له كلامَ الرجلِ؟ فقال: كافِرٌ، ثُمَّ قَدِمْتُ الكوفةَ، فلَقِيتُ أبا بكرِ بنَ عَيَّاشٍ، فقلتُ له: ما تقولُ فيمن يقولُ: القرآنُ مخلوقٌ، وحكَيْتُ له كلامَ الرجلِ؟ فقال: كافِرٌ، ومَن لم يَقُلْ: إنه كافِرٌ، فهو كافِرٌ، فلَقِيتُ عليَّ بنَ عاصمٍ، وهُشَيْمًا، فقلتُ لهما، وحكَيْتُ لهما كلامَ الرجلِ؟ فقالا: كافِرٌ، فلَقِيتُ عبدَ اللهِ بنَ إدريسَ، وأبا أسامةَ، وعَبْدةَ بنَ سُلَيْمانَ الكِلَابِيَّ، ويحيى بنَ زَكَرِيَّا، ووَكِيعًا، فحكَيْتُ لهم؟ فقالوا: كافِرٌ، فلَقِيتُ ابنَ المبارَك، وأبا إسحاقَ الفَزَاريَّ، والوليدَ بنَ مسلِمٍ، فحكَيْتُ لهم الكلامَ؟ فقالوا كلُّهم: كافِر" (٢).
_________________
(١) "المِحَن" (ص ٣٤٩).
(٢) "الإبانة" (٢٥١/ الرد على الجهمية)، و"شرح أصول الاعتقاد" (٤١١ و٤١٢).
[ ١٣٩ ]
وقد ذكَرَ اللهُ القرآنَ في أربعةٍ وخمسينَ موضعًا منه؛ فلم يُشِرْ في شيءٍ منها إلى خَلْقِه، وذكَرَ الإنسانَ في ثمانيةَ عشَرَ موضعًا ثُلُثِ ذلك العدَدِ؛ فصرَّح في جميعِها بخَلْقِه؛ كما ذكَرَهُ ابنُ عطيَّة، وقال: "وهذا يدُلُّ على أنه غيرُ مخلوق" (١).