ولا يعني ابنُ أبي زَيْدٍ مِن قولِه: "وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي مَاهِيَّةِ ذَاتِهْ": التفويضَ، وإنما مرادُهُ: نفيُ تشبيهِ الصفاتِ ونفيُ العلمِ بكيفيتِها، لا نفيُ حقيقتِها؛ فإنَّ التفكُّرَ في الذاتِ قَدْرٌ زائدٌ عن إثباتِ الحقيقة؛ فإثباتُ الحقيقةِ شيءٌ لا يَلزَمُ منه معرِفةُ الكيفيَّة.
ومِن هذا: قولُ الحَسَنِ لَمَّا سُئِلَ: هل تَصِفُ رَبَّكَ؟ قال: نَعَم، بغيرِ مِثال (٢). فنَفَى التفويضَ بإثباتِ حقيقةِ الصِّفة، وبيَّن أنَّ القَدْرَ المَنْفِيَّ هو المِثالُ الذي هو التشبيهُ والتكييف، فالإيمانُ بحقيقةِ الشيء مع عدَمِ العلمِ بكيفيَّتِه صحيحٌ شرعًا وعقلًا، فنُؤمِنُ بحقيقةِ صفاتِ نعيمِ الجَنَّة مع أنَّ اللهَ يقولُ في الحديثِ القُدسيِّ: (أَعْدَدتُّ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) (٣).
وعقيدةُ السلَفِ: إثباتُ حقيقةِ الصفاتِ، وتفويضُ كيفيَّتِها، ولا يَلزَمُ -في العقلِ- مِن إثباتِ الحقيقةِ: التشبيهُ؛ فأنتَ مَثَلًا تُثبِتُ صفةَ الحياةِ حقيقةً لعدَّةِ ذواتٍ؛ كحياةِ الأرضِ، وحياةِ الشجَرِ، وحياةِ الإنسانِ،
_________________
(١) أبو داود (٤٧٢٦).
(٢) "الرد على الجهمية" للدارمي (٢٩)، و"السُّنَّة" لعبد الله (٤٩٩ و١١٣٢).
(٣) البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤) من حديث أبي هريرة.
[ ٩٢ ]
والحياةُ في هذه الذواتِ صفةٌ حقيقيَّةٌ؛ فتقولُ: حَيِيَتِ الأرضُ وماتَتْ، وحَيِيَتِ الشَّجَرةُ وماتَتْ، وحَيِيَ الإنسانُ وماتَ، وإثباتُ الحقيقةِ لهذه الذواتِ لا يعني تشبيهًا؛ فحياةُ كلِّ ذاتٍ تَختلِفُ عن الأُخرَى، وكذلك في بقيَّةِ الصفاتِ اللازِمةِ للذاتِ، والصفاتِ الفعليَّةِ المتعلِّقةِ بالمشيئة.
وتوهُّمُ أنَّ إثباتَ الحقيقةِ يَلزَمُ منه التشبيهُ، هو الذي حمَلَ بعضَ الطوائفِ على القولِ بالتفويضِ والتعطيلِ؛ ففَرُّوا مِن باطلٍ إلى باطِل، وفَهِمُوا آيةَ نفيِ التشبيهِ والتمثيلِ على غيرِ وَجْهِها؛ فغَلَوْا في معناها غلوًّا حَمَلَهم على القولِ بالبدعة؛ فنَفَوْا أصلَ الحقيقةِ للصفاتِ؛ خوفًا مِن إثباتِ الحقيقةِ المشابِهةِ؛ حتى قال أحمدُ في "الردِّ على الزنادقة": "قالوا: هو شيءٌ لا كالأشياءِ! فقلنا: إنَّ الشيءَ الذي لا كالأشياء، قد عرَفَ العقلُ أنه لا شيءَ؛ فعند ذلك: تَبَيَّنَ أنَّهم لا يُثبِتُونَ شيئًا بشيءٍ، ولكنَّهم يَدْفَعُونَ عن أنفُسِهم الشِّنْعةَ بما يُقِرُّونَ مِنَ العلانيَةِ" (١)؛ واللازمُ لنَفْيِ حقيقةِ الصِّفات: تعطيلُ الذاتِ والتشبيهُ بالمعدومات، ولا يَلزَمُ لإثباتِ الحقيقةِ: التشبيهُ، كما قال محمَّدٌ الكَرْجِيُّ القَصَّاب في "نُكَت القرآن" (٢).