وقد كان مالكٌ مِن المعظِّمينَ للأَثرِ، المحذِّرينَ مِن علمِ الكلام؛ وذلك أنَّ الأثَرَ يقيِّدُ العقلَ للوقوفِ عمَّا لا يُحسِنُهُ، وعلمُ الكلامِ يُطلِقُهُ ويجسِّرُهُ باسترسالٍ على ما لا بُرْهانَ له به؛ حتى يكونَ منتهاهُ على حالَيْنِ:
• إمَّا أن يقرِّرَ ما لا بُرْهانَ له به مِن مشابَهةِ الخالِقِ للمخلوق، ويُحدِثَ مِن لوازمِ الصفاتِ صفاتٍ وتفسيراتٍ، حتَّى لو كان في صفةٍ ثابتةٍ بالدليل، لم يُجِزْ له ذلك الأخذَ بتلك اللوازم بإطلاق.
• وإمَّا أن يَستحضِرَ باسترسالِهِ معانيَ باطلةً؛ فيَرجِعَ على أصولِهِ بالنفيِ والنقضِ، ويَتحايَلَ على الحقائقِ بالتأويلِ والتفويضِ التامِّ.
والوقوفُ على الحديثِ والأثَرِ براءةٌ مِن الخَوْضِ فيما لا عِلْمَ للإنسانِ به، وأسلَمُ لِدِينه، وأجمَعُ للمسلِمِينَ، مِن التفرُّقِ في معرِفةِ ربِّهم وصفاتِه.
ومعلومٌ أن الرؤوسَ الذين نشَأتْ فيهم الفلسفةُ والكلامُ يَقِلُّ فيهم علمُ الأَثَر؛ لأنَّ الأثَرَ يَحُدُّ العقلَ مِن الخوضِ فيما لا يَعلَمُ، والكلامُ يُرسِلُه، ثُمَّ إنَّه لا حدَّ لخيالِ العقلِ في الغيبيَّاتِ ولا منتهَى له، وكثيرٌ مِن فرعيَّات المتكلِّمين في الأسماء والصفاتِ والغيبيَّات، لا رأيَ لأهلِ السُّنَّة فيه، ويظنُّون أنَّ هذا علمٌ يَعجِزُونَ عنه، وإنما يُمسِكُ أهلُ السُّنَّة عنه؛ تعظيمًا لله، وأن يقولُوا على الله ما لا يَعلَمُونَ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، والمتكلِّمون لا ينتهون إلى فرع.
[ ٥٣ ]
ولهذا فما مِن فِرْقةٍ كلاميَّةٍ إلا كان أئمَّتُها الأوَّلُونَ أخفَّ مِن المتأخِّرين؛ لأنَّهم يَتوسَّعُونَ جِيلًا بعدَ جِيل، وقد قال مالكٌ: "مَن طلَبَ الدِّينَ بالكلامِ، تَزَنْدَق" (١)؛ يعني: منتهاهُ إلى ذلك، وأمَّا الآثارُ: فإنَّها تَحْكُمُهم، وقد قال مالكُ بن أنسٍ: "ما قَلَّتِ الآثارُ في قومٍ إلا ظهَرَتْ فيهم الأهواءْ، ولا قلَّت العلماءُ إلا ظهَرَ في الناسِ الجَفَاءْ" (٢).
وقد كان مالكٌ يحذِّرُ أصحابَهُ مِن علمِ الكلامِ لأجلِ ذلك؛ ومِن قولِهِ: "إيَّاكُمْ والبِدَعَ، قيل: يا أبا عبد الله، وما البِدَع؟ قال: أهلُ البِدَعِ الذين يَتكلَّمُونَ في أسماءِ اللهِ وصفاتِه، وكلامِهِ وعلمِهِ وقدرتِهِ، ولا يسكُتُونَ عمَّا سكَتَ عنه الصحابةُ والتابِعونَ لهم بإحسان" (٣).
وقد كان أهلُ المدينةِ يَنْهَوْنَ عن الخوضِ في علمِ الكلام، وهم أعلَمُ الناسِ بأثَرِهِ على الحديث، وقد قال مالكٌ ومُصعَبٌ الزُّبَيْريُّ: "رأيتُ أهلَ بَلَدِنا -يعني: أهلَ المدينةِ- يَنْهَوْنَ عن الكلامِ في الدِّين" (٤).