* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ قَبْلَ كَوْنِهْ؛ فَجَرَى عَلَى قَدَرِهْ، لَا يَكُونُ مِنْ عِبَادِهِ قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ إِلَّا وَقَدْ قَضَاهْ، وَسَبَقَ عِلْمُهُ بِهْ؛ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]):
كلُّ ما في الوجودِ خلقُ الله، وهو عالمٌ محيطٌ بهم، لا يعزُبُ عنه شيءٌ مِن ذلك؛ جليلُهُ وعظيمُه، كثيرُهُ وقليلُه، كليَّاتُهُ مهما كَثُرَتْ، وجزئيَّاتُهُ مهما دَقَّتْ، يَرَى الذَّرَّهْ، كما يَرَى المَجَرَّهْ، لا يزيدُ علمُهُ في النُّور، ولا ينقُصُ في الظلامِ، يَعلَمُ ما كان وما يكونُ وما لم يَكُنْ لو كان كيف كان يكونُ.
قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]، وقال: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَو فِي السَّمَاوَاتِ أَو فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]، وقال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢].
ويَعلَمُ الله ما لم يكنْ مِن العبادِ لو كان: كيفَ كان يكونُ، وكيفَ يَؤُولُ إليه أمرُه؛ فقد قال الله عن الكافِرِينَ الذين يَتمنَّوْنَ الرجوعَ إلى الدنيا بعدَ معايَنةِ النار: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقال تعالى عن حال المعانِدِينَ: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].
[ ١٦٦ ]
وزعَمَ بعضُ الفلاسفةِ والمتكلِّمينَ عدَمَ علمِ اللهِ بالجزئيَّات؛ فيَرَوْنَ أنَّ الله يَعلَمُ الأشياءَ على وجهٍ ثابتٍ كليٍّ، لكنَّه لا يَدخُلُ تحتَ عَجَلةِ الزمانِ؛ فلا يَعلَمُ الجزئيَّاتِ التي يكونُ حدوثُها يُوجِبُ تجدُّدَ الإحاطةِ بها؛ فيُحدِثُ تغيُّرًا في ذاتِ العالِم.
وقد أشار إلى هذا الجُوَيْنِيُّ في "البُرْهان" (١)؛ وهذا ضلالٌ مُبِين؛ فكلُّ ما في الوجودِ خلقُ الله، وإذا كان خلَقَهُ، فهو عالمٌ به، وقد استنكَرَ الله على مَن فصَلَ بين العلمِ والخلقِ: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
وقد ردَّ أئمَّةُ السُّنَّةِ هذه الضلالةَ، ووُجِدَتْ في بعضِ مقالاتِ المغارِبةِ، ورَدَّ عليهم أئمَّتُها؛ كابنِ العَرَبيِّ (٢)، بل قال المازَرِيُّ لِشِدَّةِ فسادِها: "وبوُدِّي لو مَحَوْتُ هذا مِن هذا الكتاب بماءِ بَصَرِي" (٣)؛ يعني: مِن كتابِ الجُوَيْنيِّ.