* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى، وَعَلَى المُلْكِ احْتَوَى): ويجبُ إثباتُ أنَّ اللهَ استَوَى على عرشِهِ حقيقةً، وقد ذكَرَ اللهُ استواءَهُ في كتابِهِ في سبعةِ مواضعَ؛ قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقد تواتَرَتْ في ذلك الأحاديثُ والآثار؛ أن اللهَ: "فَوْقَ العَرْشِ".
ويُثبَتُ استواءٌ يليقُ بجلالِه، ويَتنزَّهُ عما يليقُ بالمخلوقِ؛ لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]؛ وكان السلفُ على ذلك لا يَختلِفُونَ عليه.
ولمَّا ظهَرَتِ البدعُ الكلاميَّةُ التي أدَّت إلى إنكارِ حقيقةِ الاستواءِ وتأويلِه، ضلَّلوا مَن قال بذلك، وقد كان سُحْنُونٌ يُلقِّنُ ابنَ القصَّارِ في مرَضِ موتِهِ: "أنَّ اللهَ على العرشِ استَوَى" (١).
_________________
(١) "السير" (١٢/ ٦٧).
[ ١٢١ ]
وكان أبو العبَّاسِ بن طالبٍ يخطُبُ في القَيْرَوان، ويقولُ: "الحمدُ للهِ الذي على عَرْشِهِ استَوَى، وعلى مُلْكِهِ احتَوَى، وهو في الآخِرةِ يُرَى" (١)، وإثباتُهم للاستواءِ على الحقيقة، لا يَحمِلُهم على القول بالتشبيه، وتوهُّمُ لزومِ إثبات الحقيقةِ للتشبيه لا يَحمِلُهم على التفويض؛ ولهذا يقولُ القرطبيُّ: "لم يُنكِرْ أحدٌ مِن السلفِ الصالح أنَّه استَوَى على عرشِه حقيقةً وإنَّما جَهِلُوا كيفيةَ الاستواء" (٢).
والعرَبُ تُطلِقُ العرشَ على السريرِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وقال أُمَيَّةُ بن أبي الصَّلْتِ:
مَجِّدُوا اللهَ وَهْوَ لِلْمَجْدِ أَهْلٌ رَبُّنَا فِي السَّمَاءِ أَمْسَى كبِيرَا
بِالبِنَاءِ الأَعْلَى الَّذِي سَبَقَ النَّا سَ وَسَوَّى فَوْقَ السَّمَاءِ سَرِيرَا (٣)
وإثباتُ هذا التعبيرِ لا يعني إثباتَ التشبيهِ بين عرشِ الخالقِ وعرشِ المخلوقِ، ولا بين استوائِهما، ومثلُ ذلك السريرُ؛ فإنَّ للمخلوقِ عرشًا، وورودُ المشابَهةِ في الاسمِ لا تعني المشابَهةَ في الحقيقة؛ فضلًا عن المشابَهةِ بين الخالقِ والمخلوقِ في الفعلِ.