وللصلاةِ على النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- بَرَكةٌ على قائِلِها، وهي مؤثِّرةٌ في قَبُولِ العمَلِ والدعاء؛ ففي "السُّنَن" مِن حديثِ فَضَالةَ بنِ عُبَيْدٍ؛ أنَّ النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- قال لمن صلَّى ودَعَا، ولم يُمَجِّدْ ولم يُصَلِّ عليه: (عَجِلْتَ أَيُّهَا المُصَلِّي)، وقال لمن صلَّى فمجَّد اللهَ وحَمِدَهُ، وصلَّى على النبيِّ -صلي الله عليه وسلم-: (ادْعُ تُجَبْ، وَسَلْ تُعْطَ) (٢).
وقد تواتَرَتِ الأحاديثُ والآثارُ في فضلِ الصلاةِ على النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- عامَّةً، وصحَّت في مواضعَ خاصَّةٍ:
فتُشرَعُ كسائرِ الذِّكْرِ لغيرِ سبَبٍ؛ لِمَا في "صحيح مسلم" مِن حديثِ
_________________
(١) "زيادات المسند" (١/ ١٠٦ رقم ٨٣٧).
(٢) أبو داود (١٤٨١)، والترمذي (٣٤٧٦ و٣٤٧٧)، والنسائي (١٢٨٤).
[ ٨١ ]
أبي هُرَيْرةَ؛ قال -ﷺ-: (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بهَا عَشْرًا) (١).
وهي مِن أعظَمِ أسبابِ مكفِّراتِ الذنوبِ وجِلَاءِ الهمومِ؛ ففي "المسنَد" مِن حديثِ أبي طلحةَ -﵁-؛ قال: قال رسولُ اللهِ -ﷺ-: (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتْ، وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتْ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتْ) (٢).
وتُشرَعُ عند أسبابٍ، وآكَدُها: في الصلاةِ عند التشهُّد (٣)، وعند ذكرِ النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- (٤)، وبعدَ الأذانِ (٥)، وفي صلاةِ الجَنَازةِ (٦)، وعند الهَمِّ والحاجات (٧)، وفي مَجَالِسِ الذِّكْرِ عامَّةً (٨)، وعند الدعاءِ (٩)، وكان بعضُ الصحابةِ يَختِمُ قُنُوتَهُ بالصلاةِ على النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- (١٠)، ورُوِيَ فيه مرفوعاتٌ يومَ الجمعةِ ولَيْلَتَها (١١).
_________________
(١) مسلم (٤٠٨).
(٢) "المسند" (٤/ ٢٩ رقم ١٦٣٥٢)، وهو في "شعب الإيمان" (١٤٥٥) من حديثِ أَنَس.
(٣) البخاري (٣٣٦٩)، ومسلم (٤٠٧) من حديث أبي حُمَيْدٍ الساعدي. والبخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦) من حديث كَعبِ بن عُجْرة. وورد عن عددٍ من الصحابة في الصحيحينِ وغيرهما.
(٤) الترمذي (٣٥٤٥) من حديث أبي هريرة، و(٣٥٤٦) من حديث الحسين بن علي.
(٥) مسلم (٣٨٤) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٦) "مسند الشافعي" (١/ ٢١٠ - ٢١١) من حديثِ رجلٍ من الصحابة.
(٧) الترمذي (٢٤٥٧) من حديثِ أُبَيِّ بن كعبٍ. وأبو نُعَيْمٍ في "معرفة الصحابة" (٣/ ١٤١٣) من حديث جابر بن سَمُرَة.
(٨) الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١٦٧٢) من حديث أبي هريرة.
(٩) الترمذي (٥٩٣) من حديث ابن مسعود.
(١٠) "فضل الصلاة على النبي" (١٠٧).
(١١) النسائي (١٣٧٤) من حديثِ أَوْسِ بن أوس. وابن ماجه (١٦٣٧) من حديث أبي الدرداء. والبيهقي (٣/ ٢٤٩) من حديث أنس وأبي الدرداء.
[ ٨٢ ]
ويُروَى الصلاةُ عليه عند دخولِ المسجِد، وعند الخروجِ منه؛ وهو معلول (١).
وإذا ذُكِرَ النبيُّ -ﷺ- في مجلسٍ، تأكَّدَتْ.
وتُجْزِئُ مَرَّةٌ واحدةٌ، وتَكْرارُها عند ذكرِهِ أَوْلى وأَحْوَط؛ وذلك لأنَّ جبريلَ دعا على مَن ترَكَها بالبُعْدِ، وأمَّن عليه النبيُّ -ﷺ-؛ كما في حديثِ جابرِ بنِ سَمُرةَ؛ قال: صَعِدَ النبيُّ -ﷺ- المِنْبَرَ، فقال: (آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ)، قال: (أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵊، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! مَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ أَبَوَيْهِ، فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: "آمِينَ"، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَمَاتَ، فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأُدْخِلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: "آمِينَ"، قَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: "آمِينَ")؛ صحيحٌ رواه الطَّبَرانيُّ (٢)، ورُوِيَ نحوُهُ مِن حديثِ أبي هريرةَ، ومالكِ بنِ الحُوَيْرِثِ، عند ابنِ حِبَّانَ (٣)، وعن كَعْبِ بنِ عُجْرةَ عند الحاكِمِ (٤)؛ وكلُّها معلولة.
ورُوِيَ مِن حديثِ أنسٍ بنحوِه، ولكنْ فيه: (رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ) (٥).
وجاء مِن حديثِ حسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ عند أحمدَ والتِّرْمِذيِّ مرفوعًا: (البَخِيلُ: مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ) (٦).
_________________
(١) انظر: "نتائج الأفكار" (١/ ٢٧٥ - ٢٧٧).
(٢) "المعجم الكبير" (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤ رقم ٢٠٢٢).
(٣) في "صحيحه" (٤٠٩ و٩٠٧ و٩٠٨).
(٤) في "المستدرك" (٤/ ١٥٣ - ١٥٤).
(٥) البزار (٦٢٥٢).
(٦) أحمد (١/ ٢٠١ رقم ١٧٣٦)، والترمذي (٣٥٤٦) من حديث حسين بن علي.
[ ٨٣ ]