وبعضُ العلومِ كالفلسفةِ أصلُها في الغربِ؛ فقد كان رؤوسُ الفلاسفةِ يونانيِّين، ولكنْ لم تُؤَسْلَمْ فلسفتُهم إلا في المشرقِ أوَّلَ الأمر، ثم أخَذَها المغاربةُ بعد أَسْلَمَتِها من الشرقِ، ولم يُؤسْلِمُوها بأنفسِهم.
وقد ذكَرَ الفيلسوفُ اليهوديُّ ابنُ مَيْمونٍ القُرْطُبيُّ (١): أنَّ كلَّ ما قالَتْهُ المعتزِلةُ والأشاعِرةُ في علمِ الكلامِ مبنيٌّ على مقدِّماتٍ مأخوذةٍ كلِّها مِن كتبِ اليونانيِّينَ والسُّرْيانيِّينَ، الذين رامُوا مخالَفةَ آراءِ الفلاسِفةِ الذين يَطْعُنُونَ في دِينِهِمُ النَّصْرانيِّ، ودعَمَهُمْ ملوكٌ يريدونَ منهم حمايةَ دِينِهم مِن تلك الآراءِ الفلسفيَّةِ التي تَهُدُّ قواعدَ شَرِيعَتِهم؛ فنشَأَ فيهم علمُ الكلامِ، وعنهم أخَذَ المعتزِلةُ، ثم الأشاعِرة، وطبَّقوه بزَعْمِهم حمايةً للدِّينِ مِن تلك الآراءِ، واختارُوا مِن آراءِ الفلاسِفةِ ما رأَوْهُ مستقيمًا على طَرِيقَتِهم؛
_________________
(١) "دلالة الحائرين" (١/ ١٨٠).
[ ٢٥ ]
حتى قال ابنُ مَيْمونٍ: "إنَّه نظَرَ في كتبِ المتكلِّمِينَ والفلاسِفةِ كلِّهم حسَبَ طاقتِهِ -مِن اليهودِ والنصارى والمسلِمِينَ- فوجَدَ أنَّ طريقَ المتكلِّمينَ كلِّهم طريقٌ واحدٌ بالنوع، وإنِ اختلَفَتْ أصنافُه، وأنَّهم في مواضعَ كثيرةٍ يَتَّبِعُونَ الخَيَال، ويسمُّونه عقلًا" (١).