وبهذا بدَأَ علمُ الكلامِ يَظهَرُ في المغرِبِ ويَفشُو في تقريرِ بعضِ علمائِها؛ على سبيلِ الاستطراد، لا على سبيلِ التأصيل؛ فيكونُ منثورًا في ثنايا بعضِ كلامِهم وفتاويهم، وربَّما جرى في كلامِ بعضِ أئمَّتهم في أواخِرِ القرنِ الرابعِ والخامسِ ممَّن هو على طريقةِ السلَف، ويحذِّرُ مِن علمِ الكلامِ؛ فأدرَكَهُ بعضُهُ في فروعِ تقريراتِه، لا في تأصيلاتِه.
ولهذا بدَأَ المغارِبةُ بالكتابةِ في العقائِدِ وأصولِ الدِّينِ وبيانِ الحَقِّ فيما اعتُقِدَ خلافُهُ مِن الباطلِ، مِن غيرِ تخصيصِ القائلِ بتلك البِدْعة، وهده عادةُ العلماءِ عند بدءِ ظهورِ البِدَعِ مِن المغمورِ: تقريرُ السُّنَّةِ وإبطالُ البِدْعةِ، مِن غيرِ ذكرِ صاحبِها؛ حتى لا يُدَلُّ عليه:
فمنهم: مَن كتَبَ بأعيانِ البدعِ؛ كمحمَّدِ بنِ سُحنون في كتابه "الحُجة على القَدَرية"، وكيحيى بنِ عُمر الكِنْديِّ السُّوسيِّ في كُتُبِه: "الرَّدِّ
[ ٣٩ ]
على المُرجِئة"، و"الرُّؤية"، و"المِيزَان"، وكأبي عُثْمانَ الحدَّادِ في كتابِهِ: "الاستواء"، وأبي عبد الله محمَّدِ بنِ مَحْبوبٍ الزناتي، وابنِ أبي زَيْدٍ لهما كُتُبٌ في: الرد على القَدَريَّة.
ومنهم: مَن أجمَلَ بيانَ معتقَدِ السلفِ، وكان مِن أوائلِ المَغارِبةِ الذين كتَبُوا في تقريرِ أصولِ العقائدِ عامَّةً: أبو القاسِمِ مَسْلَمةُ بنُ القاسمِ القرطبيُّ في كتابِهِ: "تبيينِ أصولِ السُّنَّةِ، وحفظِ ما لا بُدَّ للعمَلِ منه بشاهِدِ القرآنِ والحديث" (١)، وقد تُوفِّيَ منتصَفَ القرنِ الرابعِ قبلَ ابنِ أبي زيدٍ بثلاثةٍ وثلاثينَ عامًا، وضمَّن كتابَهُ ردًّا على أهلِ الأهواء، واشتكى مِن فُشُوِّ البِدْعة، وبيَّن قولَ السلفِ في كلامِ الله، والنظَرِ إليه، وعلوِّهِ واستوائِهِ على عرشِهِ، ونزولِهِ إلى السماءِ الدنيا، وإثباتِ صفاتِهِ سبحانه، وفضلِ الصحابةِ وتفاضُلِهم، وغيرِ ذلك مِن مسائلِ الاعتقاد.