* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (كَلَّمَ مُوسَى بِكَلَامِهِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ ذَاتِهْ، لَا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِهْ):
واللهُ متكلِّمٌ متى شاء بما شاء، والقرآنُ كلامُهُ، وكلامُهُ بائنٌ مِن خلقِهِ، وخلقُهُ خلقٌ، ولا يكونُ كلامُهُ مخلوقًا؛ لكونِهِ مسموعًا ومقروءًا، ومحفوظًا ومكتوبًا ومتدبَّرًا، بل المخلوقُ الأداةُ، وهي: أُذُنُ الإنسانِ ولسانُهُ وشفتاهُ، ورِيقُهُ ولَهَوَاتُهُ، وقلبُهُ وعقلُهُ، والوَرَقُ والحِبْر؛ قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقد أُكِّدَ الكلامُ بالمصدَرِ: "تكليمًا"؛ لِيُعلَمَ أنه كلامٌ على الحقيقةِ.
والعرَبُ تسمِّي ما يَصِلُ من القول إلى الإنسانِ كلامًا، بأيِّ طريقٍ وصَلَ إليه؛ كتابةً أو غيرَها، ولكنْ لا تحقِّقُهُ بالمصدَر، فإذا أُكِّدَ الفعلُ بالمصدَرِ،
_________________
(١) (ص ٤٣٧).
(٢) "طبقات علماء إفريقية" للخشني (ص ١٩٨).
[ ١٣٧ ]
لم يُحمَلْ إلا على الحقيقةِ مِن غيرِ واسطةٍ، وقد قال ثَعْلَبٌ في قولِهِ: ﴿تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]: "خرَجَ الشكُّ الذي كان يدخُلُ في الكلامِ" (١).
وهذا إجماعُ النحويِّينَ؛ كما حكاه عنهم أبو جَعفَرٍ النَّحَّاسُ (٢).
والقولُ بخلقِ القرآنِ بِدْعةٌ، لم يَقُلْ بها معروفٌ بصلاحٍ، فضلًا عن معروفٍ بعلمٍ في الصدرِ الأوَّل.