الأصلُ: ألَّا تُثبَتَ الأسماءُ والصفاتُ لله إلا بما ثبَتَ في الوحيَيْن؛ لأنَّ مسائلَ الغيب مَرَدُّها إلى علمِ الله، لا مجالَ فيها للاجتهادِ والنَّظَر؛ فاللهُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]؛ حتى يُقاسَ على غيرِه، أو يُقاسَ غيرُهُ عليه.
وأمَّا ما يُثبِتُهُ الصحابةُ مِن الصفاتِ والأسماءِ لله؛ فهم لا يقولونَ على اللهِ بلا عِلْم، وليستِ العقائدُ مِن موارِدِ النِّزَاعِ عندَهم؛ ولهذا لا يُحفَظُ عنهم خلافٌ في الأسماءِ والصفاتِ وتوحيدِ الله؛ فقَوْلُ الواحدِ في ذلك هو قولُ البَقِيَّة، ولَمَّا أَذِنَ الشرعُ لهم بالحديثِ عن بني إسرائيلَ مما لا يُخالِفُ الشريعةَ، في قولِهِ -ﷺ-: (حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ،
[ ١٣٠ ]
وَلَا حَرَجَ) (١)، كان الصحابةُ في الأسماءِ والصفاتِ على قسمَيْنِ:
القِسْم الأوَّل: الذين لا يُعرَفُونَ بالنقلِ عن بني إسرائيلَ؛ وهم الأصلُ والأغلَبُ؛ فهؤلاءِ يُجزَمُ أنَّهم لا يتخرَّصُونَ على الله بالعَقْل، وأنَّ نَقْلَهم إنما هو عن وَحْي.
وإثباتُ ذلك صحيحٌ؛ كما جاء عن ابنِ عبَّاسٍ، وابنِ مسعودٍ، وأبي مُوسَى: إثباتُ القَدَمَيْنِ لله (٢)؛ فهذا يقوِّيهِ إثباتُ صفةِ القَدَم لله تعالى في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أنسٍ وأبي هُرَيْرةَ مرفوعًا (٣)، وفي "المسنَدِ"، وعند ابنِ خُزَيْمةَ في "التوحيد"؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ (٤)، وله ما يعضُدُهُ مِن مرفوعٍ عن ابنِ عبَّاسٍ في "المسنَدِ"، وغيرِه (٥).
ونقَلَ الآجُرِّيُّ في "الشريعة" (٦): "أنَّ عمَلَ مذهبِ أهلِ الحقِّ والعلماءِ: أنَّهم يَصِفُون اللهَ -﷿- بما وصَفَ به نَفْسَهُ -﷿-، وبما وصَفَهُ به رسولُهُ -ﷺ-، وبما وصَفَهُ به الصحابةُ -﵃-".
ولأنَّ مجرَّدَ كلامِ الصحابيِّ في الأسماءِ والصفاتِ وفيما لا يجوزُ له أن يتكلَّمَ به إلا بالوَحْي، فذلك كأنَّما أسنَدَهُ ورفَعَهُ إلى النبيَّ -ﷺ-؛ ويؤكِّدُ ذلك: أنَّ الصحابةَ لم يَقَعْ بينَهُمُ اختلافٌ ونزاعٌ في هذا البابِ؛ كما وقَعَ بينَهم في الفروع؛ لأنَّ الفروعَ مَحَلُّ رأيٍ واجتهاد.
_________________
(١) أبو داود (٣٦٦٢) من حديث أبي هريرة. والنسائي في "الكبرى" (٥٨١٧) من حديث أبي سعيد.
(٢) سبق عند الكلام على الكرسي.
(٣) البخاري (٤٨٤٨)، ومسلم (٢٨٤٨) من حديث أنس. والبخاري (٤٨٤٩)، ومسلم (٢٨٤٦) من حديث أبي هريرة.
(٤) "التوحيد" (١/ ٢٤٨ و٢٤٩) من حديث ابن عباس؛ موقوفًا.
(٥) أحمد (١/ ٢٥٦ رقم ٢٣١٤)، والدارمي (٢٧٤٥).
(٦) "الشريعة" (٢/ ١٠٥١).
[ ١٣١ ]
وكان أحمدُ وغيرُهُ (١) يجعَلُونَ مِن أصولِ السُّنَّةِ: التمسُّكَ بما عليه الصحابةُ.
القِسْم الثاني: مَن عُرِفَ بالأخذِ والروايةِ عن بني إسرائيلَ؛ فذلك مما يُتوقَّفُ فيه، ولا يُثرَّبُ على مَن حكى المَرْوِيَّ كما حكاه الصحابيُّ؛ ما لم يَكُنْ في ذلك شُبْهةٌ على سامِع.
وأمَّا التابِعونَ: فما جاء عنهم مِن مَرْوِيَّاتٍ في الصفاتِ؛ كصفةِ الرُّكْبةِ -رواها مجاهِدٌ عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ (٢) - فإذا لم يَكُنْ في الباب ما يعضُدُها مِن مرفوعٍ أو مقطوعٍ، فالأصلُ عدمُ الاحتجاجِ بذلك؛ لأنَّ التابِعِينَ -خاصَّةً الحجازيِّين- وإنْ لم يختلِفُوا في هذا الباب، ولا يقولونَ برأيِهم فيه، إلا أنَّ قولَهم في ذلك مِن جِنْسِ المُرسَلَاتِ إلى النبيِّ -ﷺ-؛ فالأصلُ التوقُّفُ، حتى يَصِحَّ مَرْوِيُّهُمْ إلى صحابيٍّ.
والأئمَّةُ -كمالِكٍ وأحمدَ وغيرِهما- لا يجعَلُون قولَ التابعيِّ حُجَّةً مقطوعةً في الفروعِ والأصولِ، ولكنَّه يُستأنَسُ به ويُحتَجُّ به؛ لعَضْدِ أصلٍ قد ثبَتَ بدليلٍ آخَرَ.