المُقَدِّمَة
الحمدُ للهِ؛ له الحمدُ كلُّهْ، أوَّلُهُ وآخِرُ، ظاهِرُهُ وباطنُهْ، وله الشكرُ كلُّهُ على ما أفاضَ به وتكرَّمْ، وتفضَّلَ به على عبادِهِ وأنعَمْ.
ونَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه.
وصلَّى اللهُ وسلَّم على النبيِّ الأَمِينْ، محمَّدِ بنِ عبد اللهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينْ.
أَمَّا بَعْدُ:
فإنَّ أعظَمَ الواجباتِ على الإنسانِ: مَعرِفةُ مُوجِدِهِ، وغايةِ وجودِهِ، وحَقِّ مُوجِدِهِ -وهو اللهُ- عليه؛ وذلك أنَّ هذا هو دعوةُ جميعِ الرسل؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وبيانُ الحقِّ يكونُ بأخذِهِ مِن أصولِهِ والتدليلِ عليه به، وبيانُهُ يكونُ بلا جدالٍ ولا مراء؛ فإنَّ الجدالَ والمراءَ الزائدَ عن البَيِّنة يُورِثُ العنادَ والمكابَرة، ويُحدِثُ في نفوسِ المخالِفِينَ العِزَّةَ بالإثمِ حتى وإنِ استبانوا الحقَّ.
فمِن الناسِ مَن يقولُ الخطأَ بِلا قَنَاعة، فإذا جادَلَه أحدٌ عانَدَ وكابَر؛ فيكونُ جِدَالُه تَثْبيتًا للخطأِ في نَفْسِه! ومِثلُ هذا يبيَّنُ له الصوابُ ويُترَكُ بلا جِدال.
[ ١٥ ]
وقد نهَجَ الأئمَّةُ مِن السلفِ بيانَ الحقِّ والبعدَ عن الجدالِ الزائد فيه، وقد قيل لمالك: الرجُلُ له عِلْمٌ بالسُّنَّةِ يجادِلُ عنها؟ قال: "لا، ولكنْ يُخبِرُ بالسُّنَّة؛ فإنْ قُبِلَ منه، وإلَّا سكَتَ" (١).
وإيضاحُ الحقِّ بلا جدالٍ ولا مراءٍ زائدٍ عن الحُجة، يُبقِي في قلبِ المخالِفِ قبَسًا منه وإنْ لم يُظهِرْ قَبُولَه، وربَّما حمَلَهُ ذلك على المراجَعةِ في السِّرِّ؛ تهيُّبًا من الرجوع في العَلَن؛ فللنَّفْسِ سُلْطانٌ وعِزَّةٌ لا يَغلِبُها بالحقِّ إلا النُّدْرةُ مِن أصفياءِ الناس.
والواجبُ على المتكلِّم: بيانُ الحقِّ بحُجَّتِهِ بما يَفهَمُهُ السامعُ والقارئُ بلا تكلُّف، مع الأخذِ في الحُسْبانِ: المعانِدُ، وضعيفُ الفَهْم، والتفريقُ بينهما؛ فإنَّ بعضَ مَن يَعجِزُ عن الفهم، يظُنُّ أنَّ القائلَ يَعجِزُ عن التعبير؛ وهذا يُمكِنُ تقريبُهُ بالرِّفْق، ويُمكِنُ أن يُبعَدَ فيَصنَعَ منه الإبعادُ معانِدًا بالشِّدَّة.
ولم يَزَلِ العلماءُ يعرِّفونَ الإنسان ويذكِّرونَهُ بذلك، ويعرِّفونَهُ بحقِّ ربِّه عليه، وذلك في كلِّ بلدٍ، وفي كلِّ زَمَن، ولم تَخْلُ بلدٌ مِن بلدانِ الإسلامِ مَشرِقًا ومَغرِبًا مِن مبلِّغٍ عن اللهِ مُقِيمٍ للحُجَّةِ على الخلق؛ وهذا مقتضى حفظِ اللهِ لدينِهِ أنْ سخَّر له حَفَظةً يَحفَظُونَهُ ويبلِّغونه.
وفي المغرِبِ أئمَّةٌ على آثارٍ مِن سلفٍ؛ فقد نَزَلَها صحابةٌ وتابعون، وأئمَّةٌ مهتدون، وأخَذَ عنهم أهلُها، ومنهم أبو محمَّدٍ عبدُ اللهِ بنُ أبي زيدٍ القَيْرَوَانيُّ، وله كتبٌ على آثارٍ مِن السلفِ في الأصولِ والفروع، ومنها كتابَاهُ: "الرِّسَالة"، و"الجامِع"، وقد أبان فيهما اعتقادَ السلفِ في
_________________
(١) "جامع بيان العلم" (١٧٨٤).
[ ١٦ ]
مَعرِفةِ اللهِ وحقِّه على عبادِه، وقد تعدَّى نفعُ كتبِهِ أهلَ بلدِهِ؛ فانتفَعَ بها أهلُ المشرِقِ والمغرِب.
هذا؛ وقد زُرْتُ القيروانَ عامَ ثلاثةٍ وثلاثينَ وأربعِ مِئَةٍ وألفٍ، وكان في أهلِها حبٌّ للعلمِ وحرصٌ على تلَقِّيهِ فيما كان مِن مجالسَ في جامعِ القَيْرَوانِ: (عُقْبةَ بنِ نافعٍ)، وغيرِه.
وقد رَغِبَ إليَّ بعضُ مَن لَقِيتُ: شرحَ معتقَدِ ابنِ أبي زيدٍ، وبيانَ ما عليه أسلافُهُ مِن الأئمَّةِ المهديِّينَ مِن الصحابةِ والتابعينَ، وما عليه الإمامُ مالكٌ وأصحابُهُ؛ خاصَّةً مِن أهلِ المغرِبِ الذين لا يَختلِفُونَ عن طَبَقَتِهم مِن الأئمَّةِ في شيءٍ مِن الأصولِ إلا باختلافِ الأَرْض، وتباعُدِ القُطْر.
وقد كان التعليقُ على مقدِّمة "الرِّسَالة"؛ مِن غيرِ إطالةٍ تُمِلّ، ولا اختصارٍ يُخِلّ، حتى يتحقَّقَ المقصود، ومِن اللهِ التوفيقُ والتسديد.
وصلَّى اللهُ وسلَّم على النبيِّ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين
عبد العزيز الطَّرِيفي
[ ١٧ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالَمِين، مستوجِبِ كمالِ الشكرِ لتفرُّدِهِ بالنِّعَمْ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِ ولَدِ آدَمَ المبعوثِ لجميعِ الأُمَمْ:
أَمَّا بَعْدُ:
فإنَّ توفيقَ الإنسانِ يكونُ بمقدارِ علمِهِ وصدقِهِ فيه؛ فلا ينالُ التوفيقَ إلَّا بالعلمِ بالحَقّ، وكمالُ التوفيقِ إصابةُ الحقِّ عن علمٍ به، وذلك أنه قد يُصِيبُ الإنسانُ الحقَّ وهو جاهلٌ؛ وذلك بالصُّدْفةِ والتقليد، ومَن أصاب الحقَّ بالصُّدْفةِ والتقليدِ لا يثبُتُ عليه، وإنما يتغيَّرُ بحسَبِ عواملِ الصُّدْفةِ وسَيْرِ المتبوعينَ وما يَلحَقُهُ مِن خوفٍ أو طمَعٍ في طريقِه.
وقد ينشأُ الإنسانُ في بلدٍ أو مجتمَعٍ ويكونُ على ما كان عليه مَنشَؤُه، وقد يُصيبُ الحقَّ وقد لا يُصيبه، وقد يُصيبُهُ عن علمٍ، وقد يُصيبُهُ عن جهلٍ، كما أنه قد يُخطِئُهُ عن علمٍ، وقد يُخطِئُهُ عن جهلٍ.