وأعظَمُ ما جعَلَ طوائفَ المتكلِّمينَ يقولونَ بنفيِ الصوتِ والحرفِ: أنَّهم أصَّلوا قواعدَ كلاميَّةً تجري على المخلوقاتِ؛ فأرادوا إجراءَها على
_________________
(١) "اعتقاد أحمد" (ص ٣٣ و٣٦).
(٢) "خلق أفعال العباد" (٢/ ٢٤٠).
(٣) "السُّنَّة" لعبد الله (٥٣٤).
(٤) "السُّنَّة" (٥٣٣).
(٥) "السُّنَّة" لعبد الله (٥٣٤)، و"شرح العقيدة الأصفهانية" (ص ٦٨).
[ ١٤٤ ]
الخالِقِ وصفاتِه؛ فعطَّلوا صفاتِ الخالِقِ، وأظهَرُ حُجَجِهم في هذا البابِ هي:
الأُولى: أنَّ الحروفَ والأصواتَ متعاقِبةٌ، وأنَّ الكلمةَ لا تكونُ كلمةً إلا وحروفُها متوالِيَةٌ، وهذا التعاقُبُ يعني حدوثَهَا، واللهُ منزَّهٌ عن الحوادث؛ وهذا يَطَّرِدُونَ فيه، فيتصوَّرون التعاقُبَ في صفةِ الاستواءِ والنزول، والقَبْضِ والبَسْط، فينفون تلك؛ لأنها حوادثُ، واللهُ منزَّهٌ عنها، ولو اطَّرَدُوا، لنَفَوْا تعاقُبَ السمعِ والبصَرَ؛ لأنه على أصلهم فالنظَرُ يقتضي سماعَ اللهِ لكلامِ خلقِهِ متواليًا؛ فقولُ العبدِ: "يا رَبِّ" يَلزَمُ منه أنَّ السمعَ يَسمَعُ الياءَ قبل الألفِ والراءِ والباء؛ وهذا حدوثٌ في السمعِ، كما هو حدوثٌ في المسموعِ؛ وسَمْعُ اللهِ منزَّهٌ عن الحوادث، ومثلُهُ البصَرُ؛ فصلاةُ العبدِ ركعتَيْنِ؛ يُبصِرُ اللهُ ببصَرِهِ تكبيرةَ الإحرامِ قبل التسليمتَيْن؛ وهذا حدوثٌ في البصَر، كما هو حدوثٌ في المُبصَر؛ واللهُ منزَّهٌ عن الحوادث.
وَيلزَمُ مِن هذا التأصيلِ: نفيُ السمعِ والبصَر، وجعلُ السمعِ والبصَرِ هو العلمَ فقطْ! ولكنَّ الله يَعلَمُ بالفِعلِ قبلَ حدوثِه، ويراهُ عند حدوثِه، ويَعلَمُ بدُعاءِ العبد له قبل حدوثه، ويَسمَعُه عند حدوثه.
وذلك التأصيلُ الفاسِدُ يَرجِعُ إلى أنهم اتخَذُوا قواعدَ تَجرِي على حوادثِ المخلوقين؛ فجعَلُوها تجري على اللهِ وصفاتِه، واللهُ يَفعَلُ ما يشاء، كيفما شاء، متى شاء، ومِن ذلك كلامُهُ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، فعلَّق اللهُ الكلامَ بالمشيئة، وقال: ﴿إِذَا﴾ الدالَّةَ على المستقبَل.
الثانية: أنَّ إثباتَ الحرفِ والصوتِ يَلزَمُ منه إثباتُ الحَلْقِ واللسان، والحاجةِ للهواء؛ وهذا عَيْنُ التشبيهِ الذي يستقِرُّ في نفوسِهم؛ والحقُّ أنه لا يَلزَمُ مِن إثباتِ الصوت والحرف حَتْمِيَّةُ إثباتِ تلك اللوازم، فاللهُ أثبَتَ
[ ١٤٥ ]
للمخلوقاتِ الكلامَ والنطقَ والإسماعَ بلا حاجةٍ لذلك، وهي جماداتٌ؛ كما قال تعالى عن السمواتِ والأرضِ: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقال عن الجِبال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وقال عن الجوارحِ إنها تقولُ: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]؛ وهذا في مخلوق؛ فكيف بخالِقٍ ليس كمثلِهِ شيءٌ؟ !
ثُمَّ إنَّ هذا التأصيلَ يَنسحِبُ على جميعِ الصفات؛ كالبصَر؛ فهل يَصِحُّ أن يقالَ: إنَّ البصَرَ يحتاجُ إلى حَدَقةٍ ونُور؛ كما يحتاجُ الكلامُ لحَلْقٍ وهَوَاء؟ !
وهؤلاءِ يتوهَّمون أنهم إنْ نَفَوُا الصوتَ والحرفَ، وأثبَتُوا الكلامَ النفسيَّ: أنهم يُثبِتُونَ صفةَ الكلامِ لله، وكما قال أحمدُ عن الجهميَّة: "قالوا: إنَّ اللهَ لم يتكلَّمْ ولا يتكلَّمُ، إنما كوَّن شيئًا، فعبَّر عن الله، وخلَقَ صوتًا، فأسمَعَ" (١).
وكلامُ متقدِّمي المالكيَّةِ يجري مَجرَى السلفِ؛ فكلامُهم جارٍ في إثباتِ أنَّ كلامَ اللهِ كلَّه غيرُ مخلوق، وقد سأل محمَّدُ بن سُحْنُونٍ مَن قالَ بخلقِ القرآنِ: "أرأَيْتَ كلَّ مخلوقٍ: هل يَذِلُّ لخالقِهِ؟ فسكَتَ الرجلُ! ثُمَّ قال ابنُ سُحْنُونٍ: إنْ قال: كلُّ مخلوقٍ يَذِلُّ لخالقِه، فقد كفَرَ؛ لأنه جعَلَ القرآنَ ذليلًا على مَذْهَبِهِ الذي يَرَى القرآنَ مخلوقًا، واللهُ يقولُ: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]، وإنْ قال: إنه لا يَذِلُّ، فقد رجَعَ إلى مذهبِ أهلِ الحقِّ" (٢).
_________________
(١) "الرد على الجهمية" (ص ١٣٥ - ١٣٦).
(٢) "رياض النفوس" (١/ ٤٤٨ - ٤٤٩).
[ ١٤٦ ]
وكلامُهُ هذا كلُّه لا يجري على الكلامِ النَّفْسيِّ فحَسْبُ؛ لأنه استَدَلَّ بالكلامِ المكتوبِ المنزَّلِ؛ كما في الآية: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ﴾، ﴿تَنْزِيلَ﴾، والمكتوبُ والمنزَّلُ على قولِهم، ليس هو الكلامَ المَعْنِيَّ القائمَ بالنَّفْس.
وهكذا في كلامِ أبي عَمْرو الدانيِّ في "منظومتِه":
وَالقَوْلُ فِي كِتَابِهِ المُفَصَّلْ بِأنَّهُ كَلَامُهُ المُنَزَّلْ
عَلَى رَسُولِهِ النَّبِيِّ الصَّادِقِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا بِخَالِقِ
مَنْ قَالَ فِيهِ إِنَّهُ مَخْلُوقُ أَو مُحْدَثٌ فَقَوْلُهُ مُرُوقُ
وَالْوَقْفُ فِيهِ بِدْعَةٌ مُضِلَّهْ وَمِثْلُ ذَاكَ اللَّفْظُ عِنْدَ الجِلَّهْ (١)
وكلامُهُ: في الكلامِ المنزَّلِ أنَّه غيرُ مخلوق، بل بدَّع القائلَ بالوقفِ فيه.
وكلامُ اللهِ الذي كلَّمه لجبريلَ ولنبيِّنا -ﷺ-، هو ما نَسمَعُهُ ونَقرَؤُهُ، وهو غيرُ مخلوقٍ، ولو كانت أصواتُ المخلوقِينَ وأفواهُهُمْ وألسنَتُهُمْ مخلوقةً؛ كما هم مخلوقون.
وقد كان الأئمَّةُ يُنكِرُونَ القولَ بخلقِ القرآنِ لِعِلَّةِ كونِهِ مسموعًا في الأرض، ومنزَّلًا إليها؛ كما قال أسَدُ بن الفُرَاتِ، وهو مِن تلاميذِ مالكٍ: "وَيْحَ أهلِ البِدَعِ؛ هلَكَتْ هَوَالِكُهم؛ يَزْعُمُونَ أنَّ اللهَ خلَقَ كَلَامًا؛ يقولُ ذلك الكلامُ المخلوقُ: ﴿أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]؟ ! " (٢).
وأهلُ اللسانِ العَرَبيِّ يَعلَمُونَ أنَّ المقصودَ بكلامِ اللهِ غيرِ المخلوقِ: هو المنزَّلُ والمقروءُ والمسموعُ؛ ولهذا ذكَرَ غيرُ واحدٍ منهم؛ كأبي عُبَيْدٍ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ: "أنَّ الرجلَ لو حلَفَ ألَّا يَتكلَّمَ بشيءٍ، فقرَأَ
_________________
(١) "الأرجوزة المنبهة" (ص ١٨٠ - ١٨١).
(٢) "طبقات علماء إفريقية" (ص ٨٢).
[ ١٤٧ ]
القرآنَ، لم يَحنَثْ؛ لأنَّ القرآنَ كلامُ الله" (١).
ومِن الجهلِ بالعربيَّةِ: التفريقُ بين كلامِ اللهِ لفظِهِ ومعناهُ، وزعمُ أنَّ هذا مخلوقٌ، وهذا غيرُ مخلوق؛ كما قال ابنُ الأعرابيِّ اللُّغَويُّ: "ما رأيتُ قومًا أكذَبَ على اللغةِ مِن قومٍ يزعُمُونَ أنَّ القرآنَ مخلوقٌ" (٢).