وينسُبُ جماعةٌ التفويضَ إلى السلفِ؛ وذلك لأنَّ في بعضِ كلامِ بعضِهم ما يُتوهَّمُ منه التفويضُ؛ كقولِ بعضِهم في آياتِ الصفاتِ وأحاديثِها؛ كالزُّهْريِّ، ومكحولٍ: "أَمِرُّوا الأَحَادِيثَ كَمَا جَاءَتْ" (١)، أو قولِ بعضِهم؛ كالأوزاعي، والثَّوْريّ، ومالكٍ، والليث، وأحمدَ: "أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ" (٢)، أو قولِ بعضِهم؛ كالوليدِ بنِ مُسلِم: "أَمِرُّوهَا بِلَا كَيْفٍ" (٣)، أو قولِ بعضِهم؛ كابنِ عُيَيْنةَ: "هِيَ كَمَا جَاءَتْ؛ نُقِرُّ بِهَا، وَنُحدِّثُ بِهَا بِلَا كَيْفٍ" (٤)، أو قولِ بعضِهم؛ كوَكِيعٍ: "نُسَلِّمُ هَذِهِ الأحَادِيثَ كَمَا جَاءَتْ، وَلَا نَقُولُ: كَيْفَ؟ وَلِمَ جَاءَ هَذَا؟ " (٥)، ونحوِ ذلك مِن الأقوال.
ويَحمِلُونَ إمرارَ آياتِ الصفاتِ وأحاديثِها بمعنَى تَرْكِها حروفًا
_________________
(١) "شرح أصول الاعتقاد" (٧٣٥)، و"الرسالة الوافية" (١٩).
(٢) "الشريعة" (٧٢٠)، و"شرح أصول الاعتقاد" (٩٣٠)، و"الأسماء والصفات" (٩٥٥).
(٣) "شرح أصول الاعتقاد" (٨٧٥)؛ نقلًا عن جماعة من الأئمة.
(٤) "الصفات" للدارقطني (٦٣).
(٥) "السُّنَّة" لعبد الله (٤٩٥)، و"الصفات" للدارقطني (٦٢).
[ ٩٥ ]
كالأعجميَّةِ غيرِ المفهومة، أو كما يَرَى القارئُ خطوطَ الأممِ السابقةِ الأثريَّةَ مِن أصحابِ اللغاتِ البائدة، إلا أنَّ حروفَ القرآنِ مقدَّسةٌ، ولكنَّ الجهلَ بالمعنى واحدٌ.
وهذا غلَطٌ شنيع، وقدحٌ في بيانِ القرآنِ ومقاصِدِه، وفي الحكمةِ الإلهيَّةِ مِن التنزيل؛ وفي هذا قال الإمامُ المَدَنيُّ عبدُ العزيزِ الماجِشُونُ قرينُ مالكٍ -لما نظَرَ مرَّةً في شيءٍ مِن سلبِ الصفات-: "هذا الكلامُ هَدْمٌ بلا بناء، وصفةٌ بلا معنًى" (١).
ويَدُلُّ على أنَّ الأئمَّةَ لا يريدونَ بقولهم: "أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ" تفويضَ إثباتِ الحقيقةِ: أنَّ مالكًا سُئِلَ عن رؤيةِ الله؟ فقال: "يَرَوْنَهُ بأَعْيُنِهِمْ" (٢)، ثُمَّ سُئِلَ عن أحاديثِ رؤيةِ اللهِ؟ فقال: "أَمِرُّوها كما جاءَتْ" (٣).
وهذا كلُّه ليس تناقُضًا مِن مالكٍ، بل إنَّ الإمرارَ لا يُنافِي الإقرارَ بالحقيقة، بل تفويضُ كيفيَّتِها إلى اللهِ لا تفويضُ إثباتِها.
وقراءةُ القرآنِ والبيانُ فيه يقتضي إثباتَ حقيقةِ الصفاتِ ومَعَانِيها الصحيحةِ، وما زاد عن ذلك، فهو منفيٌّ مِن التكييفِ والتشبيهِ والتمثيل، والتأويلِ والتعطيلِ؛ فالمفسِّرُونَ يَعلَمُونَ أنَّ الحقيقةَ معنًى مقصودٌ في الآيةِ، ويستقِرُّ في نفسِ القارئِ؛ كما قال يزيدُ بن هارونَ: "مَن زعَمَ أنَّ الرحمنَ على العرشِ استَوَى على خلافِ ما يَقَرُّ في قلوبِ العامَّةِ، فهو جَهْمِيّ" (٤).
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" (٧/ ٣١٢).
(٢) "الشريعة" (٥٧٤)، و"شرح أصول الاعتقاد" (٨٧٠).
(٣) سبق قبل قليل.
(٤) "السُّنَّة" لعبد الله (١١١٠).
[ ٩٦ ]
ومرادُهُ بالعامَّةِ: أهلُ السليقةِ، والفِطْرةِ الصحيحةِ؛ الذين يَقْرَؤُونَ آيةَ الاستواءِ، ويقرؤونَ قولَهُ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]؛ فيَرَوْنَ أنْ لا تناقُضَ ولا تضادَّ بين إثباتِ الحقيقةِ، ونفيِ التمثيل.
وهذه العباراتُ لم يكنْ يعبِّرُ بها الصحابةُ ولا كبارُ التابِعِينَ؛ لأنَّ أقوالَ التعطيلِ أو التمثيل لم تكنْ قد ظهَرَتْ في زَمَانِهم؛ ولَمَّا ظَهَرَت بعد ذلك أراد أولئكَ الأئمَّةُ دفعَ تلك البِدْعةِ، لا نفيَ معاني الصفاتِ وحقائقِها مِن الأخبار؛ فهذا قَدْرٌ يُقِرُّونَ به؛ ويفسِّرُ ذلك نصوصُهُمُ الأُخرى.
والإمرارُ في قولِهم: "أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ"؛ يعني: الإثباتَ والإقرارَ بحقائِقِها؛ لأنَّ هذا مما جاءت به، والمنفيُّ في الشريعةِ: التشبيهُ والتمثيلُ في قولِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وما كان سوى التمثيلِ مِن إثباتِ الحقائقِ والمعاني الصحيحةِ، فليس منفيًّا، بل هو مقصودٌ في نصوصِ الوحيِ.
ولهذا يقولُ مالكُ بن أنَسٍ: "الاستواءُ معلوم" (١)؛ يعني: ليس حروفًا، وإنما هو حقيقة، وإثباتُ حقيقتِهِ لا يعني تشبيهَهُ بغيرِه.
ولمَّا ضَعُفَ اللسانُ العرَبيُّ، وراجَتْ مقولةُ التشبيه، والمقالاتُ ضِدَّها، وفسَدَتِ السليقةُ بإثباتِ الحقيقة، والمعاني الصحيحة-: مال بعضُهم: إلى مذهَبِ التفويضِ؛ للخلاصِ مِن تلك البِدَع، وبعضُهم: أراد للعَوَامِّ السلامةَ مِن تلك الآفاتِ؛ كما قالَهُ الغَزَاليُّ (٢).
حتى شاعَتْ تلك المقالةُ بسببِ أخذِ بعضِ فُضَلاءِ أهلِ الحديثِ
_________________
(١) "شرح أصول الاعتقاد" (٦٦٤)؛ بمعناه.
(٢) كما قرَّره في كتابه "إلجام العوام".
[ ٩٧ ]
بها؛ كالخَطَّابِيِّ في بعضِ شروحِهِ عند تعليقِهِ على بعضِ الصفاتِ (١)، وكذلك: البيهقيُّ في كتابَيْهِ: "الأسماءِ والصفات" (٢)، و"الاعتقادِ" (٣)، وكذلك: جماعةٌ مِن أهلِ الفقهِ والنظَرِ مِن الشافعيَّةِ؛ كالجُوَيْنيِّ في "الرسالةِ النِّظَامِيَّة" التي آل رأيُهُ إليها (٤)، والغَزَاليِّ في "إلجامِ العَوَامِّ" (٥)، ومِن الحنابِلة؛ كالتميميِّينَ، وابنِ عَقِيلٍ (٦)، ومَرْعِيٍّ الكَرْمِيِّ (٧)، ومِن هؤلاءِ: مَن يَضطَرِبُ؛ فيؤوِّلُ في موضِعٍ تارَةً، ويفوِّضُ في موضِعٍ آخَرَ تارَةً.
وليس مِن السلامةِ: تركُ مرادِ اللهِ في كلامِهِ؛ كما يزعُمُه المفوِّضةُ؛ فإنَّ تركَ حقائقِ النصوصِ ومَعَانِيهَا الصحيحةِ: هلاكٌ، لا سَلَامة؛ لأن التفويضَ مبنيٌّ على التعطيل.
والمعتزِلةُ الذين هم أسبَقُ في علمِ الكلامِ مِن الأشاعِرةِ يَعرِفُونَ الفرقَ بين مذهبِ السلفِ وبين مذهب الكُلَّابيَّةِ في الصفاتِ الخبريَّة؛ فالأشاعِرةُ يَجعَلُونَ السلَفَ مفوِّضةً؛ تمسُّكًا ببعضِ الإطلاقاتِ المشتَبِهةِ مِن أقوالِهم، والمعتزِلةُ يفرِّقونَ بين مذهبِ الكُلَّابيَّةِ في التفويضِ، وبين مذهبِ السلَفِ أهلِ الحديثِ في إثباتِ حقيقةِ الصفاتِ الخبريَّة بل والعقلية.