والاعتزالُ في المغرِبِ موجود، ووجودُهُ لا يعني أنَّ له شَوْكةً ورأسًا في علمٍ؛ كما قال ابنُ عبد البَرِّ فيهم: "لا يُعَدُّونَ عند الجميعِ في جميعِ الأمصارِ في طبقاتِ العلماء"؛ كما في كتابِه "الجامع" (٤)، وقد كان العلماءُ لا يَرُدُّونَ عليهم بالتصنيفِ ردًّا ظاهِرًا؛ لأنهم لا يَعُدُّونَ خلافَهُمْ خلافًا؛ كما قاله ابن عبد البَرِّ في "الاستذكار" (٥).
ووجودُهُمْ في تلك القرونِ في طبقتَيْن:
الطبقة الأُولى: حَمَلةٌ مِن العامَّةِ وأواسِطِ المتعلِّمينَ، لا يُنسَبُونَ إلى
_________________
(١) "نفح الطيب" (٢/ ٦٠٤ - ٦٠٥).
(٢) "رسائل ابن حزم" (٢/ ١٨٦).
(٣) "رحلة ابن جبير" (ص ٥٥ - ٥٦).
(٤) "جامع بيان العلم" (٢/ ٩٤٢).
(٥) "الاستذكار" (٢٤/ ٥٢).
[ ٢٧ ]
العلمِ بالشريعةِ والفهمِ فيها؛ وهذا وُجِدَ في أوَّلِ ظهورِ الاعتزالِ في المشرِقِ؛ فقد ارتحَلَ بعضُ أصحابِ واصلِ بنِ عَطَاءٍ إلى المغرِبِ؛ كعبدِ اللهِ بنِ الحارِث، وتأثَّر بهم بعضُ عَوَامِّ المَغرِبِ وجُهَّالِهم؛ خاصَّةً مِن البَرْبَرِ في تَاهَرْتَ في المغربِ الأوسَطِ الجزائرِ اليومَ.
الطبقة الثانية: بعضُ أمراءِ المغرِبِ؛ ككثيرٍ مِن الأَغَالِبةِ؛ فقد كانوا على الاعتزالِ؛ اقتداءً ببعضِ أمراءِ المشرِقِ مِن بني العبَّاسِ؛ كالمأمونِ، والمعتصِمِ، والواثِقِ، وبعضِ قُضَاتِهم؛ وذلك لِمَا جعَلَهُ اللهُ مِن تأثُّرِ النفوسِ بالعِلْيةِ والكُبَراءِ؛ فيَقتدِي الأدنى بالأعلى فيُحاكِيهِ، فحاكى بعضُ أمراءِ المغرِبِ أمراءَ المشرِقِ، وحاكى بعضُ قضاةِ المغرِبِ قضاةَ المشرِقِ؛ فحمَلَ بعضُ أُمَراءِ الأَغَالِبةِ -وهم أولادُ الأَغْلَبِ بنِ سالِمٍ التميميِّ، قائدِ بني العبَّاسِ في غزوِ المغربِ- الناسَ على الاعتزالِ؛ كمحمَّدٍ وأحمدَ ابنَيِ الأغلب، ومِن القضاةِ والمنسوبينَ إلى العلمِ المغاربةِ: ابنُ أبي الجَوَّادِ، ومحمَّدُ بن الأسوَدِ الصَّدِّينِيُّ، وسُلَيْمانُ بن عُمَرَ العِرَاقيُّ القَيْرَوانيُّ، ومِن أشهَرِهم: سُلَيْمانُ بن أبي عصفورٍ الحنفيُّ شيخُ الاعتزالِ بالقيروانِ، ويُعرَفُ بالفَرَّاء؛ فقد كتَبَ في خَلقِ القرآنِ، وكان مقامُهُ قريبًا مِن مقامِ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ عندَ المشارِقةِ؛ فهو مِن أصحابِ بِشْرٍ، وأبي الهُذَيْلِ، ومِن الراحِلِينَ إليهم.
وقد امتُحِنَ في المغربِ العلماءُ والعامَّةُ؛ كسُحْنُونِ بنِ سعيدٍ، وموسى بنِ معاويةَ، وكان سُحْنُونُ بن سعيدٍ عصريًّا لأحمدَ بنِ حنبلٍ، وقام وثبَتَ في فتنةِ خلقِ القرآنِ في المغرِبِ؛ كما قام ابنُ حنبلٍ وثبَتَ في المشرِق.
وكان العلماءُ والعامَّةُ يهجُرُونَ أهلَ الكلامِ ومَن يقولُ بقولهم؛ فقد
[ ٢٨ ]
كان بُهْلُولُ بنُ راشدٍ، وسُحْنُونُ بنُ سعيدٍ، وعليُّ بنُ زيادٍ: لا يسلِّمون عليهم، وكان سُحْنُونُ بنُ سعيدٍ لا يصلِّي خَلْفَهم، بل كان عبدُ اللهِ بنُ فَرُّوخٍ، وابنُ غانمٍ، وبُهْلُولُ بنُ راشدٍ، لا يصلُّون على جَنائِزِهم، وقد حكى بعضُ علماءِ المغربِ اتفاقَ علماءِ السُّنَّةِ المغارِبةِ على أنه لا تجوزُ الصلاةُ على مَن يَدِينُ بالاعتزالِ.