توحيد الربوبية أحد أنواع التوحيد الثلاثة. ويمكن الحديث عنه بإيجاز في الوقفات التالية:
الوقفة الأولى: معنى الرب لغة
الرب لغة يأتي لعدة معان، منها: المربي، والمالك. يقال: رب كل شيء: مالكه، ومستحقه، أو صاحبه١.
الوقفة الثانية: توحيد الربوبية شرعا
هو الاعتقاد والاعتراف والإقرار الجازم بأن الله وحده رب كل شيء ومالكه، وخالق كل شيء ورازقه، وأنه المحيي والمميت، والنافع والضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، ليس له في ذلك شريك٢.
الوقفة الثالثة: ما الذي يلزم المؤمن بتوحيد الربوبية؟
عندما نقول: على العبد أن يوحد الله في ربوبيته، فإنا نطلب منه أمورا، هي:
١- أن يؤمن بوجوده أولا.
٢- أن يؤمن بأفعال الله العامة؛ كالخلق، والرزق، والنفع، والضر، والإعطاء، والمنع، والإحياء، والإماتة، إلخ.
٣- أن يؤمن بقضاء الله وقدره؛ لأن ما يجريه الله في كونه، وما يقدره من مقادير هي من أفعاله ﷿.
الوقفة الرابعة: في ذكر بعض الأدلة الشرعية على توحيد الربوبية
القرآن الكريم مليء بذكر الأدلة على ربوبية الله ﷿، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]، وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
_________________
(١) ١ انظر: الصحاح للجوهري ١/ ١٣٠. والقاموس المحيط للفيروزآبادي ص١١١. ٢ انظر تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ص٣٣.
[ ٥٦ ]
وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، وغير ذلك.
الوقفة الخامسة: دلالة الفطرة على توحيد الربوبية ١
هذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء؛ فالله ﷿ فطر خلقه على الإقرار بربوبيته، وأنه الخالق الرازق، المحيي المميت، إلخ. وقد حكى الله ﷿ عن المشركين أنهم يقرون بهذا النوع من التوحيد، فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣] فهم ينسبون لله سبحانه: الخلق، والإحياء، والإماتة، وتدبير الأمر؛ من رزق، وإنزال مطر، وغير ذلك.
الوقفة السادسة: موقف المشركين من توحيد الربوبية
ذكرنا في الوقفة السابقة أن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، ومع ذلك حكم عليهم الله ﷾ بالكفر، ودمغهم بالشرك؛ فقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُون﴾ [يوسف: ١٠٦] . والملاحظ أن الله ﷿ نسب إليهم في هذه الآية إيمانا، مع حكمه عليهم بالشرك، وهذا الإيمان الذي أثبته لهم، قولهم: إن الله خلقنا، ويرزقنا، ويميتنا، فهذا إيمانهم، مع إشراكهم في عبادتهم غيره٢.
وهذا التوحيد كما أقر به المشركون الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ، كذلك أقرت به سائر الأمم، إما ظاهرا وباطنا، أو باطنا فقط. وفرعون الذين أنكره ظاهرا، أقر به باطنا كما حكى الله عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُم﴾ [النمل: من الآية ١٤] ٣.
الوقفة السابعة: هل يكفي توحيد الربوبية وحده؟
وهل يدخل صاحبه في الإسلام؟
لا يكفي توحيد الربوبية وحده، ولا يدخل صاحبه في الإسلام، ولذلك قاتل رسول الله -ﷺ- من أقر به، وصرف العبادة لغير الله.
_________________
(١) ١ تقدم الحديث عن الفطرة في ص٤٩-٥١ من هذا الكتاب. ٢ انظر: الدين الخالص لصديق حسن خان ١/ ٢٠٩. وتوحيد الربوبية لمحمد بن إبراهيم الحمد ص١٢. ٣ انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ١/ ٢٥-٢٧. وتوحيد الربوبية للحمد ص١٤-١٥.
[ ٥٧ ]