سبب إدخال التوسل في هذا المبحث:
إنما أدخلنا التوسل في الوسائل المنافية للتوحيد أو لكماله، لأن التوسل إلى الله بذات أو جاه أحد مخلوقاته محذور من وجهين: أحدهما أنه أقسم على الله في دعائه بأحد مخلوقاته، ولا يجوز الحلف بغير الله ﷿ كما تقدم١.
والمحذور الثاني أنه اعتقد أن لأحد على الله حقا، وليس للعباد حق على الله إلا ما أوجبه ﷿ على نفسه من نصرة المؤمنين، وإنجاء الموحدين، وإثابة المطيعين، واستجابة دعاء الداعين٢.
معنى التوسل لغة: يقال: وسل فلان يسل إلى الله بالعمل وسلا: رغب وتقرب. ووسل فلان إلى الله، وتوسل وسيلة وتوسيلا: أي عمل عملا تقرب به إليه. وأنا متوسل إليه بكذا، وواسل، ووسلت إليه، وتوسلت إلى الله بالعمل: تقربت٣.
معنى التوسل شرعا:
يعرف التوسل شرعا بأنه: التقرب إلى الله ﷿ بطاعته، وعبادته، واتباع رسوله ﷺ، وبكل عمل يحبه ويرضاه٤. أو: عبادة يراد بها التوصل إلى رضوان الله والجنة٥.
من أدلة التوسل الشرعي:
١- قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة﴾ [المائد: ٣٥]؛ أي تقربوا إلى الله بطاعته، والعمل بما يرضيه٦.
٢- قول الله ﷿: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]، والوسيلة: هي القربة٧.
_________________
(١) ١ انظر ص١٣٣-١٣٤ من هذا الكتاب. ٢ انظر شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز والحنفي ١/ ٢٩٤-٢٩٦. ٣ انظر: أساس البلاغة للزمخشري ص٦٧٥. والقاموس المحيط للفيروزآبادي ص١٣٧٨. ولسان العرب لابن منظور ١١/ ٧٢٤. والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ١٨٥. والمعجم الوسيط ص١٠٣٢. ٤ انظر التوصل إلى حقيقة التوسل لمحمد نسيب الرفاعي ص١٢. ٥ انظر مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ٥/ ٢٧٩. ٦ انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦/ ١٥٩، وتفسير ابن كثير ٢/ ٥٥. ٧ انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٥٥. وأضواء البيان للشنقيطي ٢/ ٨٦.
[ ١٥٢ ]
أقسام التوسل:
التوسل ينقسم إلى قسمين: توسل شرعي، وتوسل بدعي.
فالتوسل الشرعي: هو ما كان ثابتا بالشرع؛ بأن يدل عليه دليل من الكتاب أو السنة.
والتوسل البدعي: هو ما لم يدل عل جوازه دليل، أو وجد الدليل؛ ولكنه لم يثبت، ووجد من الدلة الثابتة ما يناقضه١.
أنواع التوسل الشرعي وأدلته:
التوسل المشروع هو كل توسل دل على جوازه نص من الكتاب أو السنة، والمراد به هنا: اتخاذ وسيلة لإجابة الدعاء؛ بأن يجعل الداعي في دعائه ما يكون سببا في قبوله٢.
وهذا التوسل لا يعلم إلا من طريق الشرع. وهو أنواع، منها٣:
١- التوسل بالله ﷿؛ بذاته المقدسة، أو بأسمائه الحسنى، أو صفاته العلى، أو أفعاله، ودليل ذلك قوله ﷾: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقوله ﷺ في دعائه: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" ٤.
٢- التوسل بالأعمال الصالحة. ودليل ذلك من كتاب الله، قوله ﷿: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، ومن السنة: قصة النفر الثلاثة الذين توسلوا بأعمالهم الصالحة؛ من بر الوالدين، وترك الفواحش، وأداء الحقوق، فاستجاب الله ﷿ لهم٥.
_________________
(١) ١ انظر شرح نواقض التوحيد لحسن بن علي العواجي ص٤١. ٢ انظر التوسل حكمه وأقسامه لابن عثيمين والألباني ص١٣. ٣ انظر شرح نواقض التوحيد للعواجي ص٤٢-٤٣. ٤ أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/ ٣٩١، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند رقم٣٧١٢: إسناده صحيح. وصححه الألباني "السلسلة الصحيحة رقم١٩٩". ٥ أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين. "صحيح البخاري، كتاب الإجارة، باب من استأجر أجيرا فترك أجره. وصحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب قصة أصاب الغار الثلاثة".
[ ١٥٣ ]
٣- التوسل بدعاء الغير:
ودليل ذلك قوله عز وج حكاية عن أبناء يعقوب ﵇: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧]، ومن السنة دعاؤه ﷺ لعكاشة بن محصن ﵁ أن يجعله الله من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب -لما سأله ذلك١.
والأدلة على أنواع التوسل المشروع من الكتاب والسنة كثيرة جدا، وما ذكرته قليل من كثير.
التوسل البدعي:
سبق الحديث عن أنواع التوسل المشروع، وذكرنا منها: التوسل بدعاء الغير، ومثلنا له بصنيع الصحابة ﵁، وتوسلهم بدعاء النبي ﷺ.
وهذا النوع هو الذي أسيء فهمه؛ فظن المخالفون للكتاب والسنة أن المراد التوسل بشخصه ﷺ. مع أن الصحابة ﵃ إنما كانوا يتوسلون بدعائه -﵊- حال حياته؛ كما فعل ذاك الأعرابي الذي دخل عليه وهو يخطب، فسأله الدعاء٢؛ وكذلك الصحابي الذي سأله أن يدعو الله أن يجعله ممن يدخلون الجنة بغير حساب٣، وغير ذلك.
وهذا التوسل إنما يكون في حياته ﷺ، أما بعد موته، فلا يجوز. من أجل هذا لما أجدب الناس في عهد عمر ﵁ لم يطلبوا من النبي ﷺ أن يستسقي لهم؛ بل استسقى عمر ﵁ بالعباس ﵁ عم رسول الله ﷺ، وكان مما قاله: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" ٤. فسقاهم الله عز جل.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين؛ "صحيح البخاري، كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره. وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب". ٢ صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة. وصحيح مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء. ٣ تقدم تخريجه في ح"١". ٤ صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا.
[ ١٥٤ ]
وهذا توسل من الصحابة ﵃ بدعاء العباس ﵁، لا بذاته حال حياته، وهو شبيه بتوسلهم بدعاء نبيهم ﷺ في حياته. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به في كلام الصحابة ﵁، فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته١.
والتوسل بدعائه ﷺ مقيد بقيدين: أحدهما: أن يكون التوسل حال حياته ﷺ. وهذا يوضحه توسل عمر ﵁ بالعباس ﵁ بعد موت النبي ﷺ. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما التوسل بدعائه وشفاعته -كما قال عمر، فإنه توسل بدعائه لا بذاته. ولهذا عدلوا عن التوسل به ﷺ إلى التوسل بعمه العباس. ولو كان التوسل بذاته، لكان هذا أولى من التوسل بالعباس؛ فلما عدلوا عن التوسل به ﷺ إلى التوسل بالعباس، علم أن ما كان يفعل في حياته قد تعذر بموته، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له، فإنه مشروع دائما٢.
هذا عن القيد الأول.
أما الثاني: فهو خاص بالمتوسل به، وهو النبي ﷺ حال حياته؛ فلا بد أن يقوم بعمل ما. وهذا يؤكد أن التوسل ليس بذاته، وغنما هو بدعائه وتضرعه إلى الله.
ويوضح ذلك فعل النبي ﷺ عندما توسل الأعرابي بدعائه وهو على المنبر: رفع يديه، وقال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا" ٣.
فالتوسل المشروع: ما كان بدعائه ﷺ حال حياته، لا كما فهم من خالف قوله الكتاب والسنة: أنه توسل بالشخص أو الذات أو الجاه، لا بالدعاء، فأحدثوا عبادة لم ترد في النصوص الشرعية، فسمي ما أحدثوه بدعة، وأطلق على التوسل الذي أحدثوه: "التوسل البدعي".
وقد تمسك هؤلاء بأدلة من تأملها وجد أنها حجة عليهم، لا لهم. ومن هذه:
حديث استسقاء عمر بالعباس، وقد تقدم أنه نص في أن التوسل بدعاء الشخص، يكون حال حياته، لا بعد مماته، بدليل عدول الصحابة ﵁، وهم أفضل الأمة عن التوسل به ﷺ بعد موته إلى التوسل بعمه العباس رضي الله عنه٤.
_________________
(١) ١ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص٨٠-١٨١. ٢ قاعدة جليلة في التوسل والوسييلة لابن تيمية ص٨٢. ٣ تقدم تخريجه ص١٥٤، ح"٢" من هذا الكتاب. ٤ انظر ما تقدم في هذه الصفحة والتي قبلها. وانظر كتاب التوسل حكمه وأقسامه ص٤٥-٥٧.
[ ١٥٥ ]
ومنها حديث الأعمى الذي سأل رسول الله ﷺ أن يدعو الله له أن يعافيه، فعلمه رسول الله ﷺ دعاء يدعو به بعد أن يتوضأ ويصلي ركعتين -كوسيلة بين يدي الدعاء١.
وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ، ودلائل نبوته، ودعائه المستجاب، وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق؛ فإنه ﷺ بدعائه لهذا الأعمى، رد الله ﷿ عليه بصره، لا بتوسل الأعمى بذاته ﷺ وجاهه. ولو كان السر في دعاء الأعمى وحده وتوسله بذات النبي ﷺ وجاهه دو دعائه؛ لكان كل من دعا بهذا الدعاء من العميان مخلصا، يعافى من وقته أو بعد حين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وكذلك لو كان كل أعمى توسل به ولم يدع له الرسول ﷺ بمنزلة ذلك الأعمى، لكان عميان الصحابة، أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى. فعدلوهم عن هذا إلى هذا -مع أنهم السابقون الأولون؛ المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان؛ فإنهم أعلم منا بالله ورسوله ﷺ، وما يشرع من الدعاء وما ينفع، وما لم يشرع ولا ينفع وما يكون أنفع من غيره، وهم في وقت رورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات، وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق ممكن -دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه٢.
واستدلال المخالفين بحديث الأعمى على جواز التوسل بالذات أو الجاه مردود لما يلي:
١- إن الأعمى إنما جاء طالبا الدعاء؛ فالمسألة من بدايتها توسل بدعاء النبي ﷺ.
٢ إن رسول الله ﷺ وعده بالدعاء، وهو ﷺ لا يخلف وعده أبدا. وقد دعا له كما وعده.
٣- إن رسول الله ﷺ علم الأعمى دعاء يدعو به، وفيه قوله: "اللهم فشفعه في، وشفعني فيه". والشفاعة هي الدعاء. "فشفعه في": أي شفع نبيك ﷺ في، أي اقبل دعاءه لي بأن ترد علي بصري. "وشفعني فيه"؛ أي اقبل دعائي في أن تقبل دعاء النبي ﷺ لي٣.
وثمة أدلة أخرى استدلوا بها، كلها في مصاف الموضوعات، التي لا تنهض بها الحجة٤.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/ ١٣٨. والترمذي في جامعه، كتاب الدعوات، باب ١١٩، وقال: حسن صحيح غريب، والحاكم في المستدرك ١/ ٥١٩، وقال: صحيح الإسناد. ووافقته الذهبي. ٢ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ٣٢٦. ٣ انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ٢/ ٢٨٧-٣٨٧. والتوصل إلى حقيقة التوسل للرفاعي ص٢٢٩-٢٣٢، والتوسل حكمه وأقسامه ص٥٩-٦٦. ٤ انظر: مجمموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ١٤٢-٣٦٨، وكذلك: ما جمعه علي بن حسين أبو لوز من شبهاتهم في كتاب: التوسل حكمه وأقسامه ص٧٩-١٠٣.
[ ١٥٦ ]